ابراهيم بن عمر البقاعي

385

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما أخبر تعالى أنه خلق السماوات والأرض وما بث فيهما من المنافع من الأعيان والمعاني ، واستوفى الأرض بقسميها برا وبحرا ، مضمنا ذلك العناصر الأربعة التي أسس عليها المركبات ، وكان أعجب ما للمخلوق من الصنائع ما في البحر ، وكان راكبه في حكم العدم ، دل على أنه المتفرد بجميع ذلك بهلاك الخلق ، فقال مستأنفا معبرا بالاسمية الدالة على الثبات وب مَنْ للدلالة على التصريح تهويلا بفناء العاقل على فناء غير العاقل بطريق الأولى : كُلُّ مَنْ عَلَيْها أي الأرض بقسميها والسماء أيضا فانٍ * أي هالك ومعدوم بالفعل بعد أن كان هو وغيره من سائر ما سوى إليه ، وليس لذلك كله من ذاته إلا العدم ، فهو فان بهذا الاعتبار ، وإن كان موجودا فوجوده بين عدمين أولهما أنه لم يكن ، وثانيهما أنه يزول ثم هو فيما بين ذلك يتعاوره الإيجاد والإفناء في حين من أحواله وأعراضه وقواه ، وأسباب الهلاك محيطة به حسا ومعنى وهو لا يراها كما أنها محيطة بمن هو في السفينة من فوقه ومن تحته ومن جميع جهاته . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 27 إلى 34 ] وَيَبْقى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلالِ وَالْإِكْرامِ ( 27 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 28 ) يَسْئَلُهُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ ( 29 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 30 ) سَنَفْرُغُ لَكُمْ أَيُّهَ الثَّقَلانِ ( 31 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 32 ) يا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطارِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لا تَنْفُذُونَ إِلاَّ بِسُلْطانٍ ( 33 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 34 ) ولما كان الوجه أشرف ما في الوجود ، وكان يعبر به عما أريد به صاحب الوجه مع أنه لا يتصور بقاء الوجه بدون صاحبه ، فكان التعبير به عن حقيقة ذلك الشيء أعظم وأدل على الكمال ، وكان من المقرر عند أهل الشرع أنه سبحانه ليس كمثله شيء فلا يتوهم أحد منهم من التعبير به نقصا قال : وَيَبْقى أي بعد فناء الكل ، بقاء مستمرا إلى ما لا نهاية له وَجْهُ رَبِّكَ أي المربي لك بالرسالة والترقية بهذا الوحي إلى ما لا يحد من المعارف ، وكل عمل أريد به وجهه سبحانه وتعالى خالصا . ولما ذكر مباينته للمخلوقات ، وصفه بالإحاطة الكاملة بالنزاهة والحمد ، وقال واصفا الوجه لأن المراد به الذات الذي هو أشرفها معبرا به ولأنها أبلغ من « صاحب » وبما ينبه على التنزيه عما ربما توهمه من ذكر الوجه بليد جامد مع المحسوسات يقيس الغائب - الذي لا يعتريه حاجة ولا يلم بجنابه الأقدس نقص - بالشاهد الذي كله نقص وحاجة ذُو الْجَلالِ أي العظمة التي لا ترام وهو صفة ذاته التي تقتضي إجلاله عن كل ما لا يليق به وَالْإِكْرامِ * أي الإحسان العام وهو صفة فعله . ولما كان الموت نفسه فيه نعم لا تنكر ، وكان موت ناس نعمة على ناس ، مع ما