ابراهيم بن عمر البقاعي

383

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان هذا أمرا باهرا دالا دلالة ظاهرة على تمام قدرته لا سيما على الآخرة ، قال مسببا عنه : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي الموجد لكما والمربي تُكَذِّبانِ * أي بنعمة الإبصار من جهة اليسار أو غيره ، فهلا اعتبرتم بهذه الأصول من أنواع الموجودات فصدقتم بالآخرة لعلمكم بهذه البرازخ أن موتتكم هذه برزخ وفصل بين الدنيا والآخرة كالعشاء بين الليل والنهار ، ولو استقر أتم ذلك في آيات السماوات والأرض وجدتموه شائعا في جميع الأكوان . ولما ذكر المنة بالبحر ذكر النعمة بما ينبت فيه كما فعل بالبر ، فقال معبرا بالمبني للمفعول لأن كلا من وجوده فيه والتسليط على إخراجه منه خارق من غير نظر إلى مخرج معين ، والنعمة نفس الخروج ، ولذلك قرأ غير نافع والبصريين بالبناء للفاعل من الخروج : يَخْرُجُ مِنْهُمَا أي بمخالطة العذب الملح من غير واسطة أو بواسطة السحاب ، فصار ذلك كالذكر والأنثى ، قال الرازي : فيكون العذب كاللقاح للملح ، وقال أبو حيان : قال الجمهور : إنما يخرج من الأجاج في المواضع التي يقع فيها الأنهار والمياه العذبة فناسب إسناد ذلك إليهما ، وهذا مشهور عند الغواصين ، وقال ابن عباس رضي اللّه عنهما وعكرمة مولاه رضي اللّه عنه : تكون هذه الأشياء في البحر بنزول المطر لأن الصدف وغيرها تفتح أفواهها للمطر - انتهى . فتكون الأصداف كالأرحام للنطف وماء البحر كالجسد الغاذي ، والدليل على أنه من ماء المطر كما قال الأستاذ حمزة الكرماني : إن من المشهور أن السنة إذا أجدبت هزلت الحيتان ، وقلت الأصداف والجواهر - انتهى . ثم لا شك في أنهما وإن كانا بحرين فقد جمعهما وصف واحد بكونهما ماء ، فيسوغ إسناد الخروج إليهما كما يسند خروج الإنسان إلى جميع البلد ، وإنما خرج من دار منها كما نسب الرسل إلى الجن والإنس بجمعهما في خطاب واحد فقال : رُسُلٌ مِنْكُمْ [ الأنعام : 130 ] وكذا وَجَعَلَ الْقَمَرَ فِيهِنَّ نُوراً [ نوح : 16 ] ومثله كثير اللُّؤْلُؤُ وهو الدر الذي هو في غاية البياض والإشراق والصفاء وَالْمَرْجانُ * أي القضبان الحمر التي هي في غاية الحمرة ، فسبحان من غاير بينهما في اللون والمنافع والكون - نقل هذا القول ابن عطية عن ابن مسعود رضي اللّه عنه ، وقال : وهذا هو المشهور الاستعمال - انتهى ، وقال جمع كثير : إن اللؤلؤ كبار الدر والمرجان صغاره . ولما كان ذلك من جليل النعم ، سبب عنه قوله : فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما أي المالك لكما الذي هو الملك الأعظم تُكَذِّبانِ * مع هذه الصنائع العظمى ، أبنعمة البصر من جهة الفوق أو غير ذلك من خلق المنافع في البحار وتسليطكم عليها وإخراج الحلي الغريبة وغيرها .