ابراهيم بن عمر البقاعي
376
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قامت به السماوات والأرض فقال : وَوَضَعَ الْمِيزانَ * أي العدل الذي دبر به الخافقين من الموازنة وهي المعادلة لتنتظم أمورنا . ولما ذكر أولا القرآن الذي هو ميزان المعلومات ، ودل على رحمانيته بأنواع من البيان ، الذي رقي به الإنسان فصار أهلا للفهم ، وذكره نعمة الميزان للمحسوسات ، أقبل بالخطاب عليه لافتا له عن أسلوب الغيبة تنشيطا له إلى ارتقاء مراتب الكمال بحسن الامتثال معللا فقال : ( أن ) أي لأن لا تَطْغَوْا أي لا تتجاوزوا الحدود فِي الْمِيزانِ * أي الأشياء الموزونة من الموزونات المعروفة والعلم والعمل المقدر أحدهما بالآخر ، وفي مساواة الظاهر والباطن والقول والفعل ، فالميزان الثاني عام لميزان المعلومات وميزان المحسوسات . ولما كان التقدير : فاقتدوا بأفعالي وتخلقوا بكل ما آمر به من أقوالي ، عطف عليه قوله : وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ أي جميع الأفعال التي يقاس لها الأشياء بِالْقِسْطِ . ولما كان المراد العدل العظيم ، بينه بالتأكيد بعد الأمر بالنهي عن الضد فقال : وَلا تُخْسِرُوا الْمِيزانَ * أي توقعوا في شيء من آلة العدل التي يقدر بها الأشياء من الذرع والوزن والعدل والكيل ونحوه - نوعا من أنواع الخسر - بما دل عليه تجريد الفعل فتخسروا ميزان أعمالكم وجزائكم يوم القيامة ، وقد علم بتكرير الميزان ما أريد من التأكيد في الأمر به لما له من الضخامة سواء كان بمعنى واحد أو بمعان مختلفة . ولما ذكر إنعامه الدال على اقتداره برفع السماء ، ذكر على ذلك الوجه مقابلها بعد أن وسط بينهما ما قامتا به من العدل تنبيها على شدة العناية والاهتمام به فقال : وَالْأَرْضَ أي ووضع الأرض : ثم فسر ناصبها ليكون كالمذكور مرتين إشارة إلى عظيم تدبيره لشدة ما فيه من الحكم فقال : وَضَعَها أي دحاها وبسطها على الماء لِلْأَنامِ * أي كل من فيه قابلية النوم أو قابلية الونيم وهو الصوت بعد أن وضع لهم الميزان الذي لا تقوم الأرض إلا به . [ سورة الرحمن ( 55 ) : الآيات 11 إلى 19 ] فِيها فاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذاتُ الْأَكْمامِ ( 11 ) وَالْحَبُّ ذُو الْعَصْفِ وَالرَّيْحانُ ( 12 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 13 ) خَلَقَ الْإِنْسانَ مِنْ صَلْصالٍ كَالْفَخَّارِ ( 14 ) وَخَلَقَ الْجَانَّ مِنْ مارِجٍ مِنْ نارٍ ( 15 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 16 ) رَبُّ الْمَشْرِقَيْنِ وَرَبُّ الْمَغْرِبَيْنِ ( 17 ) فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُما تُكَذِّبانِ ( 18 ) مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيانِ ( 19 ) ولما كان في سياق بيان الرحمة بمزيد الإنعام ، وكان إقامة البينة أعظم نعمة ، وكانت الفواكه ألذ ما يكون ، وكانت برقتها وشدة لطافتها منافية للأرض في يبسها