ابراهيم بن عمر البقاعي
364
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 40 إلى 44 ] وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 40 ) وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ النُّذُرُ ( 41 ) كَذَّبُوا بِآياتِنا كُلِّها فَأَخَذْناهُمْ أَخْذَ عَزِيزٍ مُقْتَدِرٍ ( 42 ) أَ كُفَّارُكُمْ خَيْرٌ مِنْ أُولئِكُمْ أَمْ لَكُمْ بَراءَةٌ فِي الزُّبُرِ ( 43 ) أَمْ يَقُولُونَ نَحْنُ جَمِيعٌ مُنْتَصِرٌ ( 44 ) ولما كرر هذا التكرير ، علم منه أن سبب العذاب التكذيب بالإنذار لأي رسول كان ، وكان استئناف كل قصة منبها على أنها أهل على حدتها لأن يتعظ بها ، علم أن التقدير : فلقد بلغت هذه المواعظ النهاية لمن كان له قلب ، فعطف عليه قوله مذكرا بالنعمة التي لا عدل لها : وَلَقَدْ يَسَّرْنَا أي تعالى جدنا وتناهى مجدنا الْقُرْآنَ الجامع الفارق لِلذِّكْرِ ولو شئنا لأعليناه بما لنا من العظمة إلى الحد حتى تعجز القوي عن فهمه ، كما أعليناه إلى رتبة وقفت القوى عن معارضته في نظمه ، أو مطلع لا يتشبث بأذيال أدنى علمه ، إلا الأفراد من حذاق العباد ، فكيف بما فوق ذلك . ولما كانوا مع ذلك واقفين عن المبادرة إليه والإقبال عليه ، قال تلطفا بهم وتعطفا عليهم مسببا عن ذلك : فَهَلْ وأكد فقال : مِنْ مُدَّكِرٍ * مفتك لنفسه من مثل هذا الذي أوقع فيه هؤلاء أنفسهم ظنا منهم أن الأمر لا يصل إلى ما وصل إليه جهلا منهم وعدم اكتراث بالعواقب . ولما كان الآخر ينبغي له أن يحذر ما وقع للأول ، وكان قوم فرعون قد جاء بعد قوم لوط عليه السّلام ، فكان ربما ظن أنهم لم ينذروا لأن من علم أن العادة جرت أن من كذب الرسل هلك أنكر أن يحصل ممن تبع ذلك تكذيب ، قال مقسما : وَلَقَدْ جاءَ آلَ فِرْعَوْنَ أي ملك القبط بمصر وأشرافه الذين إذا رؤوا كان كأنه رئي فيهم لشدة قربهم منه وتخلقهم بأخلاقهم النُّذُرُ * أي الإنذارات والمنذرون بنذارة موسى وهارون عليهما السّلام ، فإن نذارة بعض الأنبياء كنذارة الكل لأنه يأتي أحد منهم إلا وله من الآيات ما مثله آمن عليه البشر ، والمعجزات كلها متساوية في خرق العادة ، وكان قد أنذرهم يوسف عليه السّلام ، ولما كان كأنه قيل : فما فعلوا عند مجيء ذلك إليهم ، قال : كَذَّبُوا أي تكذيبا عظيما متسهينين بِآياتِنا التي أتاهم بها موسى عليه السّلام وغيرها لأجل تكذيبهم بها على ما لها من العظمة المعروفة قطعا عن أنها من عندنا . ولما كانت خوارق العادات كما مضى متساوية الأقدام في الدلالة على صدق الآتي بها ، وكانوا قد صمموا على أنه مهما أتاهم بآية كذبوا بها ، كانوا كأنهم قد أتتهم كل آية فلذلك قال : كُلِّها وسبب عن ذلك قوله : فَأَخَذْناهُمْ أي بما لنا من العظمة بنحو ما أخذنا به قوم نوح من الإغراق أَخْذَ عَزِيزٍ أي لا يغلبه شيء وهو يغلب كل شيء