ابراهيم بن عمر البقاعي
355
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
عماد تقوى المتقين أهل مقعد الصدق الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون والذين يؤمنون بما أنزل إلى نبيهم صلّى اللّه عليه وسلّم وما أنزل من قبله المشار به إلى الصيام كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 183 ] والحج وَإِذْ جَعَلْنَا الْبَيْتَ مَثابَةً لِلنَّاسِ وَأَمْناً [ البقرة : 125 ] والجهاد أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ [ البقرة : 214 - 216 ] إلى قوله : كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وذلك إشارة إلى أن هذا الدين تام لا زيادة فيه ولا نقص لأن النبي الذي أرسل ختام الأنبياء ، وتمام الرسل الأصفياء . ولما كان قوم عاد قد تكبروا بشدتهم وقوتهم ، وكانت حال قريش قريبة من ذلك لقولهم إنهم أمنع العرب وأقواهم وأجمعهم للكمالات وأعلاهم ، كرر ذلك في قصتهم مرتين زيادة في تذكير قريش وتحذيرهم ولا سيما وقد كان بدء عذابهم من بلدهم مكة المشرفة كما هو مشروح في قصتهم ، وكرر الأمر بالذوق في قصة لوط عليه السّلام لأنهم عذبوا بما يردع من كان له قلب بالطمس ، فلما لم ينفعهم ذلك أتاهم أكبر منه فكانوا كأمس الدابر ، فلكل مرة من العذاب من الأمر بالذوق ، وخصوا بالأمر بالذوق لما في فاحشتهم الخبيثة ما يستلذونه ، وقد عم عذاب هذه الأمم جميع الجهات بما لقوم نوح ولوط عليهما السّلام من جهة الغرق بالماء الماطر وحجارة السجيل ومن البحث من الماء النابع والخسف ، وما في عموم عذابهم من استغراق بقية الجهات - واللّه الهادي . ولما انقضت قصة نوح عليه السّلام على هذا الهول العظيم ، كان ذلك موجبا للسامع أن يظن أنه لا يقصر أحد بعدهم وإن لم يرسل برسول فكيف إذا أرسل ، فتشوف إلى علم ما كان بعده هل كان كما ظن أم رجع الناس إلى طباعهم ؟ وكانت قصة عاد أعظم قصة جرت بعد قوم نوح عليه السّلام فيما يعرفه العرب فيصلح أن يكون واعظا لهم ، وكان عذابهم بالريح التي أهلكتهم ونسفت جبالهم التي كانت في محالهم من الرمال المتراكمة ، فنقلها إلى أمكنة أخرى أقرب دليل إلى أنه تعالى يسير الجبال يوم الدين ، هذا إلى ما في صفها الخارج عن العوائد من تصوير النفخ في الصور تارة للقيامة وتارة للأحياء ، فأجيب بقوله : كَذَّبَتْ عادٌ أي أوقعت التكذيب العام المطلق الذي أوجب تكذيبهم برسولي هود عليه السّلام في دعوته لهم إليّ وإنذاره لهم عذابي . ولما كان عادة الملوك أو بعضهم أنه إذا أهلك قوما كثيرين من جنده نجا ناس مثلهم بمثل ذنوبهم أن يرفع بهم ، ويستألفهم لئلا يهلك جنده ، فيختل ملكه ، عقب الإخبار بتكذيبهم الإعلام بتعديهم لأنه لا يبالي بشيء لأن كل شيء في قبضته ، ولما كان تكذيبهم إلا بإرادته كما أن عذابه بمشيئته ، قال مسببا عن ذلك : فَكَيْفَ أي فعلى