ابراهيم بن عمر البقاعي

350

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

نداءه : فَدَعا رَبَّهُ أي الذي رباه بالإحسان إليه برسالته معلما له لما أيس من إجابتهم : أَنِّي مَغْلُوبٌ أي من قومي كلهم بالقوة والمنعة لا بالحجة ، وأكده لأنه من يأبى عن الملك الأعظم يكون مظنة النصرة ، وإبلاغا في الشكاية إظهارا لذل العبودية ، لأن اللّه سبحانه عالم بسر العبد وجهره ، فما شرع الدعاء في أصله إلا لإظهار التذلل ، وكذا الإبلاغ فيه فَانْتَصِرْ * أي أوقع نصري عليهم أنت وحدك على أبلغ وجه . ولما استجاب له سبحانه ، سبب عن دعائه قوله ، عائدا إلى مظهر العظمة إعلاما بمزيد الغضب الموجب دائما للاستيعاب بالغضب : فَفَتَحْنا أي تسبب عن دعائه أنا فتحنا فتحا يليق بعظمتنا أَبْوابَ السَّماءِ كلها في جميع الأقطار ، وعبر بجمع القلة عن الكثرة لأن عادة العرب أن تستعيره لها وهو أرشق وأشهر من بيبان ، وسياق العظمة يأبى كونه لغيرها . ولما كان المراد تهويل أمر الماء بذكر حاله التي كان عليها حتى كأن المحدث بذلك شاهده جعلت كأنه آية فتحت بها السماء فقال : بِماءٍ مُنْهَمِرٍ * أي منصب بأبلغ ما يكون من السيلان والصب عظما وكثرة ، ولذلك لم يقل : بمطر ، لأنه خارج عن تلك العادة ، واستمر ذلك أربعين يوما وَفَجَّرْنَا أي صدعنا بما لنا من العظمة وشققنا وبعثنا وأرسلنا الْأَرْضَ عُيُوناً أي جميع عيون الأرض ، ولكنه عدل عنه للتهويل بالإبهام ثم البيان ، وإفادة لأن وجه الأرض صار كله عيونا . ولما كان الماء اسم جنس يقع على الأنواع المختلفة كما يقع على النوع الواحد ، وكان قد ذكر ماء السماء والأرض ، سبب عن ذلك قوله : فَالْتَقَى الْماءُ أي المعهود وهو ماء السماء وماء الأرض بسبب فعلنا هذا ، وزاد في تعظيمه بأداة الاستعلاء فقال : عَلى أَمْرٍ ولما تقررت هذه العظمة لهذه الواقعة ، فكان ربما ظن أنه صار جزافا ، وزاد على الحد المأمور به ، أشار إلى أنه بالنسبة إلى عظمته في غاية الحقارة فقال : قَدْ قُدِرَ * أي مع كونه مقدورا عليه في كل وقت بغاية السهولة قد وقع تقديره في الأزل ، فلم يستطع أن يزيد على ذلك قطرة فما فوقها ولا أن يهلك غير من أمرناه بإهلاكه ، وأشار بالتخفيف إلى غاية السهولة في ذلك سبحانه . [ سورة القمر ( 54 ) : الآيات 13 إلى 18 ] وَحَمَلْناهُ عَلى ذاتِ أَلْواحٍ وَدُسُرٍ ( 13 ) تَجْرِي بِأَعْيُنِنا جَزاءً لِمَنْ كانَ كُفِرَ ( 14 ) وَلَقَدْ تَرَكْناها آيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 15 ) فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 16 ) وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ ( 17 ) كَذَّبَتْ عادٌ فَكَيْفَ كانَ عَذابِي وَنُذُرِ ( 18 ) ولما ذكر ما علم منه بقرينة ما ذكر من خرقه للعادة ، وأن إجابته لدعوته عليه الصلاة والسّلام ، ذكر تمام الانتصار بنجاته فقال : وَحَمَلْناهُ أي بما لنا من العظمة