ابراهيم بن عمر البقاعي

333

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

البنات لأنها مكروهة لكل أحد ، ثم ذكر ما يظهر ولا بد أنه من صنعه فتسبب أن مادة الاثنين واحدة وهو الماء الذي هو أشد الأشياء امتزاجا فقال : مِنْ نُطْفَةٍ وصور كونها منها بقوله : إِذا تُمْنى * أي تراق وتدفق بالفعل لا قبل ذلك ليمكن فيه طعن بأنه كان بدءا أو غيره بل أنتم تعلمون أنه لا يخلق الولد إلا بعد الإمناء بالفعل ، وخرج أصله ما يمكن خلقا من خلق اللّه أن يعرف بمجرد رؤيته أهو صالح للأنثى فقط أو للذكر فقط أو لهما أو للأشكال بالخنوثة . ولما ساق هذه الأشياء دليلا على إحاطة علمه فلزمها أن دلت على تمام قدرته ، وختمها بالنشأة الأولى فلزم من ذلك الإقرار حتما بأنه قادر على البعث ، عبر بما يقتضي أنه لما تقدم به وعده على جميع ألسنة رسله صار واجبا عليه بمعنى أنه لا بد من كونه لأنه لا يبدل القول لديه ، لا غير ذلك ، فعبر بحرف الاستعلاء تأكيدا له ردا لإنكارهم إياه فقال : وَأَنَّ عَلَيْهِ أي خاصا به علما وقدرة النَّشْأَةَ أي الحياة وهو ممدود لابن كثير وأبي عمرو ومقصور لغيرهما مصدر نشأ - إذا حنى وربى وسن الْأُخْرى * أي التي ينشأ بها الخلق بعد أن يميتهم . ولما كان الغنى والفقر من الأمور المتوسطة بين الاختيارية والاضطرارية له بكل الأمرين لسبب وكان مقسوما بين الإناث والذكور بحكمة ربانية لا ينفع الذكر فيها قوته ولا يضر الأنثى ضعفها ، وكان ذكر النشأة الآخرة كالمعترض إنما أوجب ذكر النشأة الأولى ، تعقب ذكرهما به وكان ذكر الغنى مع أنه يدل على الفقر أليق بالامتنان ، والنسبة إلى الرب ، وكان الغنى الحقيقي إنما يكون في تلك الدار ، أخر ذكره فقال : وَأَنَّهُ ولما كان ربما نسب إلى السعي وغيره ، أكد بالفعل فقال : هُوَ أي وحده من غير نظر إلى سعي ساع ولا غيره أَغْنى ولما كان الغنى في الحقيقة إنما هو غنى النفس ، وهو رضاها بما قسم لها وسكونها وطمأنينتها ، وإنما سمي ذو المال غنيا لأن المال بحيث تطمئن معه النفس ، فمن كان راضيا بكل ما قسم اللّه به فهو غني ، وهو في الجنانة مغني وإن كان في الدنيا وَأَقْنى * أي أمكن من المال وأرضى بجميع الأحوال قال البغوي : أعطى أصول المال وما يدخر بعد الكفاية ، قال : وقال الأخفش أقنى أفقر - انتهى . ونقل الأصبهاني مثله عن أبي زيد ، فتكون الهمزة للإزالة ويقال ، أفناه بكذا أرضاه ، وأقناه الصد : أمكنه منه . [ سورة النجم ( 53 ) : الآيات 49 إلى 52 ] وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرى ( 49 ) وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى ( 50 ) وَثَمُودَ فَما أَبْقى ( 51 ) وَقَوْمَ نُوحٍ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كانُوا هُمْ أَظْلَمَ وَأَطْغى ( 52 ) ولما كانت الشعرى لأنها تقطع السماء عرضا أدل النجوم بعد تمام القدرة على الفعل بالاختيار مع أنها مما دخل تحت ذلك الجنس المقسم به أول السورة ، وهي