ابراهيم بن عمر البقاعي

321

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

وهما الممتحنان باليهود ، أما عيسى عليه السّلام فكذبته اليهود وآذته وهموا بقتله فرفعه اللّه إليه ، وأما يحيى عليه السّلام فقتلوه ، ورسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بعد انتقاله إلى المدينة صار إلى حالة ثانية من الامتحان ، وكانت محنته فيها باليهود آذوه وظاهروا عليه وهموا بإلقاء الصخرة عليه ليقتلوه فنجاه اللّه كما نجى عيسى عليه السّلام منهم ، ثم سموه في الشاة ولم تزل تلك الأكلة تعاوده حتى قطعت أبهره كما قال عند الموت وهكذا فعلوا بابني الخالة يحيى وعيسى لأن أم يحيى أشياع بنت عمران أخت مريم بنت عمران أمهما جنة ، وأما لقاؤه ليوسف عليه السّلام في السماء الثالثة فإنه يؤذن بحالة ثالثة تشبه حالة يوسف عليه السّلام ، وذلك أن يوسف ظفر بإخوته من بعد ما أخرجوه من بين ظهرانيهم ، فصفح عنهم وقال لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ [ يوسف : 92 ] الآية ، وكذلك نبينا صلّى اللّه عليه وسلّم أسر يوم بدر جملة من أقاربه الذين أخرجوهم فيهم عمه العباس وابن عمه عقيل فمنهم من أطلق ، ومنهم من قبل أفديته ، ثم ظهر عليهم بعد ذلك عام الفتح فجمعهم فقال لهم : « أقول ما قال أخي يوسف : لا تثريب عليكم اليوم » « 1 » ثم لقاؤه إدريس عليه السّلام في السماء الرابعة وهو المكان الذي سماه اللّه مكانا عليا وإدريس أول من آتاه اللّه الخط بالقلم ، فكان ذلك مؤذنا بالحالة الرابعة وهو علو شأنه عليه السّلام حتى أخاف الملوك وكتب إليهم يدعوهم إلى طاعته حتى قال أبو سفيان وهو عند ملك الروم حين جاء كتاب النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ورأى ما رأى من خوف هرقل : لقد أمر أمر ابن أبي كبشة حتى أصبح يخافه ملك بني الأصفر « 2 » ، وكتب عنه بالقلم إلى جميع ملوك الأرض فمنهم من اتبعه على دينه كالنجاشي وملك بني عمان ومنهم من هادنه وأهدى إليه وأتحفه كهرقل والمقوقس ، ومنهم من تعصى عليه فأظهره اللّه عليه ، فهذا مقام علي ، وخط بالقلم كنحو ما أوتي إدريس عليه السّلام ، ولقاؤه في السماء الخامسة لهارون عليه السّلام المحبب في قومه يؤذن بحب قريش وجميع العرب له بعد بعضهم فيه ، ولقاؤه في السماء السادسة لموسى عليه السّلام يؤذن بحالة تشبه حالة موسى عليه السّلام حين أمر بغزو الشام ، فظهر على الجبابرة الذين كانوا فيها ، وأدخل بني إسرائيل البلد الذي خرجوا منه بعد هلاك عدوهم ، ولذلك غزا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم تبوك من أرض الشام وظهر على صاحب دومة حتى صالحه على الجزية بعد أن أتى به أسيرا ، وافتتح مكة ودخل أصحابه البلد الذي خرجوا منه ، ثم لقاؤه في السماء السابعة إبراهيم عليه السّلام لحكمتين : إحداهما أنه رآه عند البيت المعمور مسندا ظهره إليه ، والبيت المعمور جبال مكة ، وإليه تحج

--> ( 1 ) تقدم في سورة يوسف . ( 2 ) موقوف صحيح . وقد تقدم وهو عند البخاري ( 7 ) ( 51 ) ( 7541 ) .