ابراهيم بن عمر البقاعي

316

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بإذنه سبحانه ، والمقام يناسب الإضمار لأن الكلام هو الوحي الخفي ، وعبر بالبعد إشارة إلى أنه لم يكن أحد ليستحق هذا الأمر العظيم غيره لأنه لم يتعبد قط لأحد غير اللّه ، وكل من عاداه حصل منهم تعبد لغيره في الجملة ، فكان أحق الخلق بهذا الوصف مع أنه كان يتعبد للّه في غار حراء وغيره ، وهذه النزلة - واللّه أعلم - كانت على هذا التقدير في أول الوحي لما كان بحراء وفرق منه صلّى اللّه عليه وسلّم فرجع ترجف بوادره ، وقال : زملوني زملوني . وأشار إلى عظمة ما أنزل بقوله : ما أَوْحى * أي إنه يجل عن الوصف فأجمل له ما فصل له بعد ذلك ، هذا الذي ذكر من تفسير لضمائر مظاهر العبارة وإن كان الإضمار في جميع الأفعال لا يخلو عن التباس وإشكال ، ويمكن لأجل احتمال الضمائر لما يناسبها من الظواهر أن يكون ضمير دَنا وما بعده للّه تعالى ، وحينئذ يصير في عَبْدِهِ واضحا كما تقدم في هذا الوجه جعله له سبحانه لأنه لا يجوز لغيره ، روى البخاري في التوحيد في باب وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسى تَكْلِيماً عن أنس رضي اللّه عنه في قصة الإسراء برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم من مسجد الكعبة « أنه جاءه ثلاثة نفر قبل أن يوحى إليه وهو نائم في المسجد الحرام فقال أولهم » : أيهم هو ؟ فقال أوسطهم : هو خيرهم ، فقال آخرهم : خذوا خيرهم ، وكانت تلك الليلة ، فلم يرهم حتى أتوه ليلة أخرى فيما يرى قلبه وتنام عينه ولا ينام قلبه ، وكذلك الأنبياء تنام أعينهم ولا تنام قلوبهم ، فلم يكلموه حتى احتملوه فوضعوه عند بئر زمزم ، فتولاه منهم جبرئيل عليه السّلام فشق جبرئيل ما بين نحره إلى لبته حتى فرغ من صدره وجوفه فغسله من ماء زمزم بيده حتى أنقى جوفه ثم أتى بطست من ذهب فيه نور من ذهب محشوا إيمانا وحكمة فحشا به صدره ولغاديده - يعني عروق حلقه ، ثم أطبقه ثم عرج به إلى السماء الدنيا ، فضرب بابا من أبوابها فناداه أهل السماء : من هذا ؟ فقال : جبرئيل ، قالوا : ومن معك ، قال : معي محمد ، قالوا : وبعث إليه ، قال : نعم ، قالوا : فمرحبا به وأهلا - ثم ذكر عروجه إلى السماوات السبع ، وأنه لما وصل إلى السماء السابعة علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلا اللّه حتى جاء سدرة المنتهى ، ودنا الجبار رب العزة فتدلى منه فكان قاب قوسين أو أدنى ، فأوحى إليه فيما يوحي اللّه إليه خمسين صلاة - فذكر مشورة موسى عليهما السّلام في سؤال التخفيف حتى صارت خمسا كل واحدة بعشرة ، ودنا الجبار رب العزة في هذا الوجه وهو رب العزة » « 1 » وهو في غاية الحسن إذا جمعته مع ما يأتي في هذا الوجه المنقول عن جعفر الصادق رضي اللّه عنه فيكون المعنى أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما استوى بالأفق الأعلى فوصل إلى حد لا يمكن المخلوق الصعود عنه تنزل له الخالق سبحانه ، ولذلك عبر عنه ب ثُمَّ يعني أنه

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 7517 من حديث أنس ، والمصنف ساقه بالمعنى .