ابراهيم بن عمر البقاعي

31

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

لغيره وهي كثيرة جدا ، وقد أكرم اللّه نبينا محمدا صلّى اللّه عليه وسلّم عن أن يريه شيئا يكرهه في أمته حتى قبض . ولما أوقف سبحانه السامع بهاتين الشرطيتين بين الخوف والرجاء لبيان الاستبداد بعلم الغيب تغليبا للخوف ، وأفهم السياق وإن كان شرطا أن الانتقام منهم أمر لا بد منه ، وأنه لا قدرة لأحد على ضرهم ولا نفعهم إلا اللّه ، سبب عنه قوله : فَاسْتَمْسِكْ أي أطلب وأوجد بجد عظيم على كل حال الإمساك بِالَّذِي أُوحِيَ إِلَيْكَ من حين نبوتك وإلى الآن في الانتقام منهم وفي غيره . ولما كان المقام لكثرة المخالف محتاجا إلى تأكيد يطيب خواطر الأتباع ويحملهم على حسن الاتباع ، علل ذلك بقوله : إِنَّكَ عَلى صِراطٍ أي طريق واسع واضح جدا : مُسْتَقِيمٍ موصل إلى المقصود لا يصح أصلا أن يلحقه شيء من عوج ، فإذا فعلت ذلك لم يضرك شيء من نقمتهم . ولما أثبت حسنه في نفسه المقتضي للزومه ، عطف عليه نفعه لهم . وأكد لإنكارهم فقال : وَإِنَّهُ أي الذي أوحى إليك في الدين والدنيا لَذِكْرٌ أي شرف عظيم جدا وموعظة وبيان ، عبر عن الشرف بالذكر للتنبيه على أن سببه الإقبال على الذكر وعلى ما بينه وشرعه والاستمساك به والاعتناء بشأنه : لَكَ وَلِقَوْمِكَ قريش خصوصا والعرب عموما وسائر من اتبعك ولو كان من غيرهم من جهة نزوله على واحد منهم وبلسانهم ، فكان سائر الناس تبعا لهم ومن جهة إيراثه الطريقة الحسنى والعلوم الزاكية الواسعة وتأثيره الظهور على جميع الطوائف والإمامة لقريش بالخصوص كما قال صلّى اللّه عليه وسلّم « لا يزال هذا الأمر في قريش ما بقي في الناس اثنان ما أقاموا الدين » « 1 » فمن أقام هذا الدين كان شريفا مذكورا في ملكوت السماوات والأرض ، قال ابن الجوزي : وقد روى الضحاك عن ابن عباس رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم كان إذا سئل : لمن هذا الأمر ، من بعدك ، لم يخبر بشيء حتى نزلت هذه الآية ، فكان بعد ذلك إذا سئل قال : لقريش - وهذا يدل على أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم فهم من هذا أنه يلي على المسلمين بحكم النبوة وشرف القرآن ، وأن قومه يخلفونه من بعده في الولاية بشرف القرآن الذي أنزل على رجل منهم - انتهى . ولما كان التقدير : فسوف تشرفون على سائر الملوك وتعلمون ، عطف عليه قوله :

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 2195 و 7140 ومسلم 1820 وابن حبان 6266 وأبو يعلى 5589 وأحمد 2 / 29 و 93 من حديث ابن عمر .