ابراهيم بن عمر البقاعي

299

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

حقيقة أو حكما وكل حسن مرتفع ، فلذلك يلتحق بأبيه ، وأما الإساءة فقاصرة على صاحبها يؤخذ بها ويرهن بذنبه ولا يؤخذ بذنب غيره ، والحاصل أن المعالي التي هي كالحياة تفيض من صاحبها على غيره فتحييه ، والمساوىء التي هي كالموت لا يتعدى صاحبها ، قال الرازي في اللوامع : اعلم أن الذوات بقاؤها ودوامها ببقاء صورها ، فحيث ما كانت الصورة المقومة لها أدوم كانت الذوات بها أقوم ، وأن النفوس الإنسانية ذوات وصورها علومها وأخلاقها ، فحيث ما كانت العلوم حق اليقين ثم عين اليقين ، والأخلاق مقومة على نهج الشرع المبين ، كانت النفوس دائمة بدوامها غير مستحيلة ، إذ لا تتطرق الاستحالة إلى اليقين والعلم الحق ، وغير كائنة ولا فاسدة إذ ليس عن اليقين ولا العلوم الحقيقية من عالم الكون والفساد ، وإن لم تبلغ النفس إلى كمال اليقين فتعلقت بدليل صاحبه كما انخرطت في سلكها حتى يخرط الإنسان في سلك محبته ، لو أحب أحدكم حجرا لحشر معه ، فإن الدين هو الحب في اللّه والبغض في اللّه ، ولهذا اكتفى الشرع من المكلفين بإسلام وتسليم وتفويض وتحكيم دون الوقوف على المسائل العويصة بالبراهين الواضحة الصحيحة ، وما لم يبلغ الولد حد التكليف واخترم ألحقوا بآبائهم وحكم عليهم بحكم عقائدهم وآرائهم حتى يكون حكم آبائهم جاريا عليهم وحكم القيامة نافذا فيهم ، وأما إذا كانت الصورة القائمة بالذوات مستحيلة بأن كانت جهلا وباطلا ينقص أوله آخره وآخره أوله ، كانت ذات النفس لا تنعدم ولا تفنى بل تبقى على حال لا يموت فيها ولا يحي ، فإنها لو فنيت لاستراحت ولو بقيت لاستطابت ، فهي على استحالة بين الموت والحياة ، وهذه الاستحالة لا تكون إلا في أجساد وأبدان كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [ النساء : 56 ] انتهى . وهو كما ترى في غاية النفاسة ، ويؤيده « يحشر المرء على دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل » « 1 » ويجوز أن تكون الجملة تعليلا لما قبلها من النفي ، أي ما نقصناهم لأنه قد سبق في حكمنا بأن يكون « كل امرئ » قدرنا أن يرتهن بما قد ينقصه بِما كَسَبَ أي لا يضر ما كسب ما كسبه غيره « رهين » أي معوق عن النعيم حتى يأتيه بما يطلق من العمل الصالح . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 22 إلى 27 ] وَأَمْدَدْناهُمْ بِفاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ ( 22 ) يَتَنازَعُونَ فِيها كَأْساً لا لَغْوٌ فِيها وَلا تَأْثِيمٌ ( 23 ) وَيَطُوفُ عَلَيْهِمْ غِلْمانٌ لَهُمْ كَأَنَّهُمْ لُؤْلُؤٌ مَكْنُونٌ ( 24 ) وَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلى بَعْضٍ يَتَساءَلُونَ ( 25 ) قالُوا إِنَّا كُنَّا قَبْلُ فِي أَهْلِنا مُشْفِقِينَ ( 26 ) فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا وَوَقانا عَذابَ السَّمُومِ ( 27 )

--> ( 1 ) أخرجه أبو داود 4833 والترمذي 2378 والحاكم 4 / 171 وأحمد 7968 و 8212 من حديث أبي هريرة . صححه الحاكم ، ووافقه الذهبي ، وقال الترمذي : حسن صحيح ا ه .