ابراهيم بن عمر البقاعي

295

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

تُبْصِرُونَ ثم أعقب بذكر حال المؤمنين المستجيبين ، ثم ذكر إثر إعلامه بحال الفريقين - نعمته على نبيه عليه الصلاة والسّلام وعصمته ووقايته مما يقول المفترون فقال تعالى فَذَكِّرْ فَما أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِكاهِنٍ وَلا مَجْنُونٍ ثم جرت الآي على توبيخهم في مقالتهم ووهن انتقالاتهم ، فمرة يقولون : كاهن ، ومرة يقولون : مجنون ، ومرة يقولون : شاعر يترقب موته . فوبخهم على ذلك كله وبين كذبهم وأرغمهم وأسقط ما بأيديهم بقوله فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِثْلِهِ إِنْ كانُوا صادِقِينَ وهذا هو المسقط لما تقولوه أولا وآخرا ، وهذا الذي لم يجدوا عنه جوابا ، ورضوا بالسيف والجلاء ، لم يتعرضوا لتعاطي معارضته ، وهذا هو الوارد في قوله تعالى في صدر سورة البقرة وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ [ البقرة : 23 ] الآيات ، فما نطقوا في جوابه ببنت شفة قُلْ لَئِنِ اجْتَمَعَتِ الْإِنْسُ وَالْجِنُّ عَلى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هذَا الْقُرْآنِ لا يَأْتُونَ بِمِثْلِهِ [ الإسراء : 88 ] فتبارك من جعله آية باهرة وحجة قاهرة - انتهى . ولما أثبت وقوع العذاب ، تشوفت نفس الموقن إلى وقته ، قال مستأنفا لبيان أنه واقع على تلك الصفة : يَوْمَ تَمُورُ أي تتحرك وتضطرب وتجيء وتذهب وتتكفأ تكفأ السفينة وتدور دوران الرحى ، ويموج بعضها في بعض ، وتختلف أجزاؤها بعضها في بعض ، ولا تزول عن مكان ؛ قال البغوي : والمور يجمع هذه المعاني فهو في اللغة الذهاب والمجيء والتردد والدوران والاضطراب ، قال الرازي : وقيل : تجيء وتذهب كالدخان ثم تضمحل . السَّماءُ التي هي سقف بيتكم الأرض مَوْراً * أي اضطرابا شديدا وَتَسِيرُ الْجِبالُ أي تنتقل من أمكنتها انتقال السحاب ، وحقق معناه بقوله : سَيْراً فتصير هباء منثورا وتكون الأرض قاعا صفصفا . [ سورة الطور ( 52 ) : الآيات 11 إلى 16 ] فَوَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ ( 11 ) الَّذِينَ هُمْ فِي خَوْضٍ يَلْعَبُونَ ( 12 ) يَوْمَ يُدَعُّونَ إِلى نارِ جَهَنَّمَ دَعًّا ( 13 ) هذِهِ النَّارُ الَّتِي كُنْتُمْ بِها تُكَذِّبُونَ ( 14 ) أَ فَسِحْرٌ هذا أَمْ أَنْتُمْ لا تُبْصِرُونَ ( 15 ) اصْلَوْها فَاصْبِرُوا أَوْ لا تَصْبِرُوا سَواءٌ عَلَيْكُمْ إِنَّما تُجْزَوْنَ ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ( 16 ) ولما حقق العذاب وبين يومه ، بين أهله بقوله مسببا عن ذلك : فَوَيْلٌ هي كلمة يقولونها لمن وقع في الهلاك ، ومعناه حلول شر فاضح يكون فيه ندبة وتفجع يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ يكون ما تقدم ذكره لِلْمُكَذِّبِينَ * أي العريقين في التكذيب وهم من مات على نسبة الصادقين إلى الكذب . ولما كان التكذيب قد يكون في محله ، بين أن المراد تكذيب ما محله الصدق فقال : الَّذِينَ هُمْ أي من بين الناس بظواهرهم وبواطنهم فِي خَوْضٍ أي أعمالهم