ابراهيم بن عمر البقاعي
272
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
سورة ق وعظيم تلك الأحوال من لدن قوله وَجاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ إلى آخر السورة ، أتبع سبحانه ذلك بالقسم على وقوعه وصدقه فقال : وَالذَّارِياتِ ذَرْواً إلى قوله : إِنَّما تُوعَدُونَ لَصادِقٌ وَإِنَّ الدِّينَ لَواقِعٌ والدين الجزاء ، أي أنهم سيجازون على ما كان منهم ويوفون قسط أعمالهم فلا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ إِنَّما نُمْلِي لَهُمْ لِيَزْدادُوا إِثْماً . ولما أقسم اللّه على صدق وعده ووقوع الجزاء ، عقب ذلك بتكذيبهم بالجزاء وازدرائهم فقال يَسْئَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ ثم ذكر تعالى حال الفريقين وانتهاء الطريقين إلى قوله : وَفِي الْأَرْضِ آياتٌ لِلْمُوقِنِينَ فوبخ تعالى من لم يعمل فكره ولا بسط نظره فيما أودع سبحانه في العالم من العجائب ، وأعقب بذكر إشارات إلى أحوال الأمم وما أعقبهم تكذيبهم ، وكل هذا تنبيه لبسط النظر إلى قوله : وَمِنْ كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنا بقوله : كَذلِكَ ما أَتَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ رَسُولٍ إِلَّا قالُوا ساحِرٌ أَوْ مَجْنُونٌ أي إن هذا دأبهم وعادتهم حتى كأنهم تعاهدوا عليه وألقاه بعضهم إلى بعض فقال تعالى : تواصوا به أَمْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أي عجبا لهم في جريهم على التكذيب والفساد في مضمار واحد ، ثم قال تعالى : بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ أي أن علة تكذيبهم هي التي اتحدت فاتحد معلولها ، والعلة طغيانهم وإظلام قلوبهم بما سبق وَلَوْ شِئْنا لَآتَيْنا كُلَّ نَفْسٍ هُداها ثم زاد نبيه عليه السّلام أشياء مما ورد على طريقة تخييره عليه السّلام في أمرهم من قوله تعالى : فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَما أَنْتَ بِمَلُومٍ ثم أشار تعالى بقوله : وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرى تَنْفَعُ الْمُؤْمِنِينَ إلى أن إحراز أجره عليه السّلام إنما هو في التذكار والدعاء إلى اللّه تعالى ، ثم ينفع اللّه بذلك من سبقت له السعادة إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ثم أخبر نبيه عليه الصلاة والسّلام بأن تكذيبه سينالهم قسط ونصيب مما نال غيرهم ممن ارتكب مرتكبهم ، وسلك مسلكهم ، فقال تعالىو إن لِلَّذِينَ ظَلَمُوا ذَنُوباً مِثْلَ ذَنُوبِ أَصْحابِهِمْ إلى آخر السورة - انتهى . ولما أخبر سبحانه عن ثبات خبره ، أتبعه الإخبار عن وهي كلامهم ، فقال مقسما عليه لمبالغتهم في تأكيد مضامينه مع التناقض بفعله الجميل وصنعه الجليل ، إشارة إلى أنهم لم يتخلقوا من أخلاقه الحسنى بقول ولا فعل : وَالسَّماءِ ذاتِ الْحُبُكِ * أي الآيات المحتبكة بطرائق النجوم المحكمة ، الحسنة الصنعة ، الجيدة الرصف والزينة ، حتى كأنها منسوجة ، الجميلة الصنعة الجليلة الآثار ، الجامعة بين القطع والاختلاط والاتفاق والاختلاف ، وأصل الحبك الإحكام في امتداد واطراد - قاله الرازي في اللوامع . إِنَّكُمْ يا معشر قريش لَفِي قَوْلٍ محيط بكم في أمر القرآن والآتي به وجميع أمر دينكم وغيره مما تريدون به إبطال الدين الحق مُخْتَلِفٍ * كاختلاف