ابراهيم بن عمر البقاعي
250
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
هذا الجرم الكبير لا يكفي فيه فرج واحد لمن يحتاج إلى الحركة ، فنزل كلام العليم الخبير على مثل هذه المعاني ، ولا يظن أنه غيرت فيه صنعة من الصنع لأجل الفاصلة فقط ، فإن ذلك لا يكون إلا من محتاج ، واللّه متعال عن ذلك ، ويجوز - وهو أحسن - أن يراد بالفروج قابلية الإنبات لتكون - مثل الأرض - يتخللها المياه فيمتد فيها عروق الأشجار والنبات وتظهر منها ، وأن يراد بها الخلل كقوله تعالى ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ [ الملك : 3 ] أي خلل واختلاف وفساد ، وهو لا ينفي الأبواب والمصاعد - واللّه أعلم . [ سورة ق ( 50 ) : الآيات 7 إلى 11 ] وَالْأَرْضَ مَدَدْناها وَأَلْقَيْنا فِيها رَواسِيَ وَأَنْبَتْنا فِيها مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ ( 7 ) تَبْصِرَةً وَذِكْرى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ ( 8 ) وَنَزَّلْنا مِنَ السَّماءِ ماءً مُبارَكاً فَأَنْبَتْنا بِهِ جَنَّاتٍ وَحَبَّ الْحَصِيدِ ( 9 ) وَالنَّخْلَ باسِقاتٍ لَها طَلْعٌ نَضِيدٌ ( 10 ) رِزْقاً لِلْعِبادِ وَأَحْيَيْنا بِهِ بَلْدَةً مَيْتاً كَذلِكَ الْخُرُوجُ ( 11 ) ولما دل سبحانه على تمام قدرته وكمال علمه وغير ذلك من صفات الكمال بآية السماء ، أتبع ذلك الدلالة على أنه لا يقال فيه داخل العالم ولا خارجه لأنه متصل به ولا منفصل عنه ، نبه على ذلك بالدلالة على آية الأرض ، وأخرها لأن السماء أدل على المجد الذي هذا سياقه ، لأنها أعجب صنعة وأعلى علوّا وأجل مقدارا وأعظم أثرا ، وأن الأرض لكثرة الملابسة لها والاجتناء من ثمارها يغفل الإنسان عن دلالتها ، بما له في ذلك من الصنائع والمنافع ، فقال : وَالْأَرْضَ أي المحيطة بهم مَدَدْناها أي جعلناها بما لنا من العظمة مبسوطة لا مسنمة . ولما كان الممدود يتكفأ ، قال : وَأَلْقَيْنا بعظمتنا فِيها رَواسِيَ أي جبالا ثوابت كانت سببا لثباتها ، وخالفت عادة المراسي في أنها من فوق ، والمراسي تعالجونها أنتم من تحت . ولما كان سكانها لا غنى لهم عن الرزق ، قال ممتنا عليهم : وَأَنْبَتْنا بما لنا من العظمة فِيها وعظم قدرتها بالتبعيض فقال : مِنْ كُلِّ زَوْجٍ أي صنف من النبات تزاوجه أشكاله بأرزاقكم كلها بَهِيجٍ * أي هو في غاية الرونق والإعجاب ، فكان - مع كونه رزقا - متنزها . ولما ذكر هذه الصنائع الباهرة ، عللها بقوله : تَبْصِرَةً أي جعلنا هذه الأشياء كلها ، أي لأجل أن تنظروها بأبصاركم ، ثم تتفكروا ببصائركم ، فتعبروا منها إلى صانعها ، فتعلموا ما له من العظمة وَذِكْرى أي ولتتذكروا بها تذكرا عظيما ، بما لكم من القوى والقدر فتعلموا بعجزكم عن كل شيء من ذلك أن صانعها لا يعجزه شيء ، وأنه محيط بجميع صفات الكمال ، لو ألم بجنابه شائبة من شوائب النقص لما فاض عنه هذا الصنع الغريب البديع .