ابراهيم بن عمر البقاعي
240
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان هذا عظيما والثبات عليه أعظم ، وهو عين الحكمة ، أشار إلى عظيم مزية الثبات بقوله : ثُمَّ أي بعد امتطاء هذه الرتبة العظيمة لَمْ يَرْتابُوا أي ينازعوا الفطرة الأولى في تعمد التسبب إلى الشك ولم يوقعوا الشك في وقت من الأوقات الكائنة بعد الإيمان ، فلا يزال على تطاول الأزمنة وحصول الفتن وصفهم بعدم الريب غضا جديدا ، ولعله عبر بصيغة الافتعال إشارة إلى العفو عن حديث النفس الذي لا يستطيع الإنسان دفع أصله ويكرهه غاية الكراهة ويجتهد في دفعه ، فإذا أنف المذموم المشي معه والمطاولة منه حتى يستحكم . ولما ذكر الأمارة الباطنة على وجه جامع لجميع العبادات المالية والبدنية قال : وَجاهَدُوا أي أوقعوا الجهاد بكل ما ينبغي أن تجهد النفس فيه تصديقا لما ادعوه بألسنتهم من الإيمان بِأَمْوالِهِمْ وذلك هو العفة وَأَنْفُسِهِمْ أعم من النية وغيرها ، وذلك هو الشجاعة ، وقدم الأموال لقلتها في ذلك الزمان عند العرب فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي طريق الملك الأعظم بقتال الكفار وغيره من سائر العبادات المحتاجة إلى المال والنفس لا الذين يتخلفون ويقولون : شغلتنا أموالنا وأهلونا ، قال القشيري : جعل اللّه الإيمان مشروطا بخصال ذكرها ، وذكر بلفظ « إنما » وهي للتحقيق ، تقتضي الطرد والعكس ، فمن أفرد الإيمان عن شرائطه التي جعلها له فمردود عليه قوله ، والإيمان للعبد الأمان ، فإيمان لا يوجب الأمان لصاحبه فخلافه أولى به . ولما عرف بهم بذكر أمارتهم على سبيل الحصر ، أنتج ذلك حصرا آخر قطعا لأطماع المدعين على وجه أثنى عليهم فيه بما تعظم المدحة به عندهم ترغيبا في مثل حالهم فقال : أُولئِكَ أي العالو الرتبة الذين حصل لهم استواء الأخلاق والعدل في الدين بجميع أمهات الأخلاق هُمُ أي خاصة الصَّادِقُونَ * قالا وحالا وفعالا ، وأما غيرهم فكاذب . ولما كانوا كأنهم يقولون : نحن كذلك ، أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بالإنكار عليهم والتوبيخ لهم دلالة على ما أشار إليه ختام الآية من إحاطة علمه الذي تميز به الصادق من غيره من جميع الخلق فقال : قُلْ أي لهؤلاء الأعراب مجهلا لهم مبكتا : أَ تُعَلِّمُونَ أي أتخبرون إخبارا عظيما بليغا ، كأنهم لما آمنوا كان ذلك إعلاما منهم ، فلما قالوا آمنا كان ذلك تكريرا ، فكان في صورة التعليم ، فبكتهم بذلك اللَّهَ أي الملك الأعظم المحيط قدرة وعلما بِدِينِكُمْ فلذلك تقولون : آمنا ، ففي ذلك نوع بشرى لهم لأنه أوجد لهم دينا وأضافه إليهم - قاله ابن برجان . ولما أنكر عليهم وبكتهم وصل به ما يشهد له فقال : وَاللَّهُ أي والحال أن الملك المحيط بكل شيء يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ كلها على