ابراهيم بن عمر البقاعي
235
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما نهى عن اتباع الظن ، أتبعه ما يتفرع عنه فقال : وَلا تَجَسَّسُوا أي تمعنوا في البحث عن العورات ولا يكون ذلك إلا في المستورين . ولما كانت الغيبة أعم من التجسس ، قال : وَلا يَغْتَبْ أي يتعمد أن يذكر بَعْضُكُمْ بَعْضاً في غيبته بما يكره ، قال القشيري : وليس تحصل الغيبة من الخلق إلا بالغيبة عن الحق ، وقال أبو حيان : قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : الغيبة إدام كلاب الناس . ولما كان تمزيق عرض الناس كتمزيق أديمهم ولا يكون ذلك ساتر عظمة الذي به قوامه كما أن عرضه ساتر عليه ، وكونه لا يرد عن نفسه بسبب غيبته كموته وأعمال الفم والجوف في ذلك كله ، وكان هذا لو تأمله العاقل كان منه على غاية النفرة ، ولكنه لخفائه لا يخطر بباله ، جلاه له في قوله تقريرا وتعبيرا بالحب عما هو في غاية الكراهة لما للمغتاب من الشهوة في الغيبة ليكون التصوير بذلك رادّا له عنها ومكرها فيها : أَ يُحِبُّ وعم بقوله : أَحَدُكُمْ وعبر بأن والفعل تصويرا للفعل فقال : أَنْ يَأْكُلَ وزاد في التنفير بجعله في إنسان هو أخ فقال : لَحْمَ أَخِيهِ وأنهى الأمر بقوله : مَيْتاً . ولما كان الجواب قطعا : لا يحب أحد ذلك ، أشار إليه بما سبب من قوله : فَكَرِهْتُمُوهُ أي بسبب ما ذكر طبعا فأولى أن تكرهوا الغيبة المحرمة عقلا ، لأن داعي العقل بصير عالم ، وداعي الطبع أعمى جاهل ، وقد رتب سبحانه هذه الحكم أبدع ترتيب ، فأمر سبحانه بالتثبت . وكان ربما أحدث ضغينة ، نهى عن العمل بموجبه من السخرية واللمز والنبز والتمادي مع ما ينشره ذلك من الظنون ، فإن أبت النفس إلا تماديا مع الظن فلا يصل إلى التجسس والبحث عن المعايب ، فإن حصل الاطلاع عليها كف عن ذكرها ، وسعى في سترها ، وفعل ذلك كله لخوف اللّه ، لا شيء غيره ، فإن وقع في شيء من ذلك بادر المتاب رجاء الثواب . ولما كان التقدير : فاتركوه بسبب كراهتهم لما صورته ، عطف عليه ما دل على العلة العظمى وهي خوف اللّه تعالى فقال : وَاتَّقُوا اللَّهَ أي اجعلوا بينكم وبين الملك الأعظم وقاية بترك ذلك وإصلاح ذات البين . ولما كان التقدير : فإن اللّه يتوب عليكم إن تركتموه ، علله بما دل على أن ذلك صفة له متكررة التعلق فقال : إِنَّ اللَّهَ أي الملك الأعظم تَوَّابٌ أي مكرر للتوبة ، وهي الرجوع عن المعصية إلى ما كان قبلها من معاملة التائب وإن كرر الذنب ، فلا ييأس أحد وإن كثرت ذنوبه وعظمت رَحِيمٌ * يزيده على ذلك أن يكرمه غاية الإكرام .