ابراهيم بن عمر البقاعي
225
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما نهى سبحانه عن الإخلال بالأدب ، وأمر بالمحافظة على التعظيم ، وذكر وصف المطيع ، أتبع ذلك على سبيل النتيجة وصف من أخل به ، فقال مؤكدا لأجل أن حالهم كان حال من يدعي عقلا تاما : إِنَّ الَّذِينَ يُنادُونَكَ أي يجددون نداءك من غير توبة والحال أن نداءهم إياك كائن مِنْ وَراءِ إثبات هذا الجار يدل على أنه صلّى اللّه عليه وسلّم كان داخلها ، ولو سقط لم يفد ذلك ، بل كان يفيد أن نسبة الأماكن التي وراءها الحجرات كلها بالنسبة إليه وإليهم على حد سواء ، وذلك بأن يكون الكل خارجها ، والوراء : الجهة التي تواريك وتواريها من خلف أو قدام . ولما كان الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم من العظمة في نفسه وفي تبليغ رسالات اللّه في هيئتها بمكان من العظمة بحيث لا يخفى على أحد . فليس لأحد أن يفتات فيها عليه ولا أن يعجله عن شيء ، وكان نداؤه لذلك من وراء حجرة واحدة كندائه من وراء كل حجرة جمع فقال : الْحُجُراتِ ولم يضفها إليه إجلالا له ، وليشمل كونه في غيرها أيضا ، والمعنى : مبتدئين النداء من جهة تكون الحجرات فيها بينك وبينهم فتكون موازية لك منهم ولهم منك ، وهي جمع حجرة ، وهي ما حوط من قطع الأرض بحائط يمنع ممن يكون خارجه من أذى من يكون داخله بقول أو فعل ، فإنه يكون فيما يختص به من الاجتماع بنسائه أو إصلاح شيء من حاله ، لا يتهيأ له بحضور الناس فيما يتقاضاه المروءة ، وأسند الفعل إلى الجمع وإن كان المنادي بعضهم للرضي به أو السكوت عن النهي . ولما كان الساكت قد لا يكون راضيا قال : أَكْثَرُهُمْ أي المنادي والراضي دون الساكت لعذر لا يَعْقِلُونَ * لأنهم لم يصبروا ، بل فعلوا معه صلّى اللّه عليه وسلّم كما يفعل بعضهم مع من يماثله ، والعقل يمنع من مثل ذلك لمن اتصف بالرئاسة فكيف إذا كانت رئاسة النبوة والرسالة عن الملك الجبار الواحد القهار . ولما ذمهم بسوء عملهم ، أرشدهم إلى ما يمدحون به من حسنه فقال : وَلَوْ أَنَّهُمْ أي المنادي والراضي صَبَرُوا أي حبسوا أنفسهم ومنعوها عن مناداتهم ، والصبر حبس النفس عن أن تنازع إلى هواها وهو حبس فيه شدة ، وصبر عن كذا - محذوف الفعل لكثرة دوره ، أي نفسه حَتَّى تَخْرُجَ من تلقاء نفسك عند فراغ ما أنت فيه مما يهمك من واردات الحق ومصالح الخلق . ولما كان الخروج قد يكون إلى غيرهم من المصالح ، فلا يسوغ في الأدب أن يقطع ذاك عليه قال : إِلَيْهِمْ أي ليس