ابراهيم بن عمر البقاعي

215

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

صورته ، وكررت في الاسم بعده غاية التأكيد ، وهو ثلاث - كما أشار إليه اسمه : أحمد - إلى أنه مع كونه خاتما فهو فاتح بما أشار إليه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « كنت أولهم خلقا وآخرهم بعثا » واختصت به سورة الصف ليعادل ذلك بتصريح المبشر به عليه الصلاة والسّلام بالبعدية في قوله بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ [ الصف : 6 ] وأشارت الميم أوله أيضا إلى بعثه عند الأربعين ، وما بقي من حروفه وهي حمد يفيد له كمال الحمد بالفعل في السنة الثانية والخمسين من عمره وهي الثانية عشرة من نبوته ببيعة الأنصار رضي اللّه عنهم ، وقد أشارت هذه السورة إلى كلمة الإخلاص تلويحا مما ذكرت من كلمة الرسالة تصريحا وبطنت سطوة الإلهية وظهرت الرحمة المحمدية - كما أشارت القتال إلى الرسالة تلويحا وصرحت بسطوة الإلهية بكلمة الإخلاص والناشئة عن القتال تصريحا ، وقد تقدم في القتال نبذة من أسرار الكلمتين . ولما ذكر الرسول ذكر المرسل إليهم فقال تعالى : وَالَّذِينَ مَعَهُ أي بمعية الصحبة من أصحابه وحسن التبعية من التابعين لهم بإحسان . ولما كان شرف القوم شرفا لرئيسهم ، مدحهم بما يشمله فقال تعالى : أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ فهم لا تأخذهم بهم رأفة بل هم معهم كالأسد على فريسته ، لأن اللّه أمرهم بالغلظة عليهم رُحَماءُ بَيْنَهُمْ كالوالد مع الولد ، لأن اللّه تعالى أمرهم باللين للمؤمنين ، ولا مؤمن في زمانهم إلا من كان من أهل دينهم ، فهو يحبهم ويحبونه بشهادة آية المائدة . ولما كان هذا بخلاف ما وصفت به الأمم الماضية من أنهم ما اختلفوا إلا من بعدما جاءهم العلم بغيا بينهم ، فكان عجبا ، بين الحامل عليه بقوله : تَراهُمْ أي أيها الناظر لهم رُكَّعاً سُجَّداً أي دائمي الخضوع فأكثر أوقاتهم صلاة قد غلبت صفة الملائكة على صفاتهم الحيوانية ، فكانت الصلاة آمرة لهم بالخير مصفية عن كل نقص وضير . ولما كانت الصلاة مما يدخله الرياء ، بين إخلاصهم بقوله : يَبْتَغُونَ أي يطلبون بذلك وغيره من جميع أحوالهم بغاية جهدهم تغليبا لعقولهم على شهواتهم وحظوظهم فَضْلًا أي زيادة من الخير مِنَ اللَّهِ أي الذي له الإحاطة بصفات الكمال والجمال الذي أعطاهم ملكة الغلظة على الكفار بما وهبهم من جلاله والرقة على أوليائه بما أعطاهم من رحمته التي هيأهم بها للإحسان إلى عياله فنزعوا الهوى من صدورهم فصاروا يرونه وحده سيدهم المحسن إليهم لا يرون سيدا غيره ، ولا محسن سواه . ولما ذكر عبادتهم وطلبهم الزيادة منها ومن غيرها من فضل اللّه الذي لا يوصل إلى عبادته إلا بمعونته ، أتبعه المطلوب الأعلى فقال : وَرِضْواناً أي رضاء منه عظيما .