ابراهيم بن عمر البقاعي

209

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

هذه الدار التي ربط فيها المسببات بأسبابها على أوثق الأسباب في نصركم وغلبكم لهم وقسركم ، وستعلمون ما دبره من دخولكم مكة المشرفة آمنين لا تخافون في عمرة القضاء صلحا ثم في الفتح بجحفل جرار قد نيطت أظفار المنايا بأسنة رماحه ، وعادت كؤوس الحمام طوعا لبيض صفاحه ، فيؤمن أكثر أهل مكة وغيرهم ممن هو الآن جاهد عليكم ، ويصيرون أحب الناس فيكم يقدمون أنفسهم في جهاد الكفار دونكم ، فيفتح اللّه بكم البلاد ، ويظهركم - وهو أعظم المحامين عنكم - على سائر العباد . ولما كان ما مضى من وصفهم على وجه يشمل غيرهم من جميع الكفار ، عينهم مبينا لسبب كفهم عنهم مع استحقاقهم في ذلك الوقت للبوار والنكال والدمار فقال : هُمُ أي أهل مكة ومن لافهم الَّذِينَ كَفَرُوا أي أوغلوا في هذا الوصف بجميع بواطنهم وتمام ظواهرهم وَصَدُّوكُمْ زيادة على كفرهم في عمرة الحديبية هذه عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ أي مكة ، ونفس المسجد الحرام ، والكعبة ، للإخلال بما أنتم فيه من شعائر الإحرام بالعمرة وَالْهَدْيَ أي وصدوا ما أهديتموه إلى مكة المشرفة لتذبحوه بها وتفرقوه على الفقراء ، ومنه أربعون ، وفي رواية : سبعون بدنة ، كان أهداها النبي صلّى اللّه عليه وسلّم مَعْكُوفاً أي حال كونه مجموعا محبوسا مع رعيكم له وإصلاحه لما أهدى لأجله أَنْ يَبْلُغَ مَحِلَّهُ أي الموضع الذي هو أولى المواضع لنحره ، وهو الذي إذا أطلق انصرف الذهن إليه ، وهو في العمرة المروة ، ويجوز الذبح في الحج والعمرة في أي موضع كان من الحرم ، فالموضع الذي نحر فيه النبي صلّى اللّه عليه وسلّم في هذه المرة عند الإحصار ليس محله المطلق . ولما كان التقدير : فلو لا ما أشار إليه من ربط المسببات بأسبابها لسلطكم عليهم فغلبتموهم على المسجد وأتممتم عمرتكم على ما أردتم ، ثم عطف عليه أمرا أخص منه فقال : وَلَوْ لا رِجالٌ أي مقيمون بين أظهر الكفار بمكة مُؤْمِنُونَ أي عريقون في الإيمان فكانوا لذلك أهلا للوصف بالرجولية وَنِساءٌ مُؤْمِناتٌ أي كذلك حبس الكل عن الهجرة العذر لأن الكفار لكثرتهم استضعفوهم فمنعوهم الهجرة ، على أن ذلك شامل لمن جبله اللّه على الخير وعلم منه الإيمان وإن كان في ذلك الوقت مشركا لَمْ تَعْلَمُوهُمْ أي لم يحط علمكم بهم من جميع الوجوه لتميزوهم بأعيانهم عن المشركين لأنهم ليس لهم قوة التمييز منهم بأنفسهم وأنتم لا تعرفون أماكنهم لتعاملوهم بما هم له أهل ولا سيما في حال الحرب والطعن والضرب ، ثم أبدل من « الرجال والنساء » قوله : أَنْ تَطَؤُهُمْ أي تؤذوهم بالقتل أو ما يقاربه من الجراح والضرب والنهب ونحوه من الوطء الذي هو الإيقاع بالحرب منه قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « آخر وطأة وطئها اللّه بوج » يكون ذلك