ابراهيم بن عمر البقاعي
203
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لم يمنعهم إلا إعذارهم عن أهل الحديبية ، وأطلق الحرج المنفي ليقبل التقدير بالتخلف ولا حاجة لأن حضورهم لا يخلو عن نفع في الجهاد ، وذكر هكذا دون أسلوب الاستثناء إيذانا بأنهم لم يدخلوا في الوعيد أصلا حتى يخرجوا منه . ولما بشر المطيعين لتلك الدعوة وتوعد القاعدين عنها وعذر المعذورين ، وكانت إجابة المعذورين جائزة ، بل أرفع من قعودهم ، ولذلك لم ينف إجابتهم إنما نفى الحرج ، قال معمما عاطفا على ما تقديره : فمن تخلف منهم فتخلفه مباح له : وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ أي المحيط بجميع صفات الكمال المفيض من آثار صفاته على من يشاء ولو كان ضعيفا ، المانع منها من يشاء وإن كان قويا وَرَسُولَهُ من المعذورين وغيرهم فيما ندبا إليه من أي طاعة كانت إجابته يُدْخِلْهُ أي اللّه الملك الأعظم جزاء له جَنَّاتٍ تَجْرِي ونبه على قرب منال الماء بإثبات الجار في قوله : مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ أي ففي أي موضع أردت أجريت نهرا وَمَنْ يَتَوَلَّ أي كائنا من كان من المخاطبين الآن وغيرهم ، عن طاعة من الطاعات التي أمرا بها من أي طاعة كانت يُعَذِّبْهُ أي على توليه في الدارين أو إحداهما عَذاباً أَلِيماً * وقراءة أهل المدينة والشام ندخله ونعذبه بالنون أظهر في إرادة العظمة لأجل تعظيم النعمة والنقمة . [ سورة الفتح ( 48 ) : الآيات 18 إلى 21 ] لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ ما فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنْزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً ( 18 ) وَمَغانِمَ كَثِيرَةً يَأْخُذُونَها وَكانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً ( 19 ) وَعَدَكُمُ اللَّهُ مَغانِمَ كَثِيرَةً تَأْخُذُونَها فَعَجَّلَ لَكُمْ هذِهِ وَكَفَّ أَيْدِيَ النَّاسِ عَنْكُمْ وَلِتَكُونَ آيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ وَيَهْدِيَكُمْ صِراطاً مُسْتَقِيماً ( 20 ) وَأُخْرى لَمْ تَقْدِرُوا عَلَيْها قَدْ أَحاطَ اللَّهُ بِها وَكانَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيراً ( 21 ) ولما وعد المطيع وأوعد العاصي ، وكانت النفوس إلى الوعد أشد التفاتا ، دل عليه بثواب عظيم منه أمر محسوس يعظم جذبه للنفوس القاصرة عن النفوذ في عالم الغيب ، فقال مؤكدا لأن أعظم المراد به المذبذبون ، مفتتحا بقد لأن السياق موجب للتوقع لما جرى من السنة الإلهية أنها إذا شوقت إلى شيء دلت عليه بمشهود يقرب الغائب الموعود : لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ أي الذي له الجلال والجمال عَنِ الْمُؤْمِنِينَ أي الراسخين في الإيمان ، أي فعل معهم فعل الراضي بما جعل لهم من الفتح وما قدر له من الثواب ، وأفهم ذلك أنه لم يرض عن الكافرين فخذلهم في الدنيا مع ما أعد لهم في الآخرة ، فالآيات تقرير لما ذكر من جزاء الفريقين بأمور مشاهدة . ولما ذكر الرضى ، ذكر وقته للدلالة على سببه فقال : إِذْ أي حين ، وصور