ابراهيم بن عمر البقاعي

199

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما لم يكن في هؤلاء من عذب بما عذب به الأمم الماضية من الريح وغيرها ، لم يذكر ما بين الخافقين ، وذكر نتيجة التفرد بالملك بما يقتضيه الحال من الترغيب والترهيب : يَغْفِرُ لِمَنْ يَشاءُ أي لا اعتراض لأحد عليه بوجه ما وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ أي لأنه لا يجب عليه شيء ولا يكافيه شيء ، وليس هو كالملوك الذين لا يتمكنون من مثل ذلك لكثرة الأكفاء المعارضين لهم في الجملة ، وعلم من هذا التقسيم المبهم أيضا أن منهم من يرتد فيعذبه ، ومنهم من يثبت على الإسلام فيغفر له لأنه لا يعذب بغير ذنب وإن كان له أن يفعل ذلك ، لأنه لا يسأل عما يفعل وملكه تام ، فتصرفه فيه عدل كيفما كان . ولما كان من يفعل الشيء في وقت قد لا يستمر على وصف القدرة عليه قال تعالى : وَكانَ اللَّهُ أي المحيط بصفات الكمال أزلا وأبدا ، لم يتجدد له شيء لم يكن . ولما ابتدأ الآية بالمغفرة ترغيبا في التوبة ، ختم بذلك لأن المقام له ، وزاد الرحمة تشريفا لنبي المرحمة بالترغيب والدلالة على أن رحمته غلبت غضبه فقال : غَفُوراً أي لذنوب المسيئين رَحِيماً * أي مكرما بعد الستر بما لا تسعه العقول ، وقدرته على الإنعام كقدرته على الانتقام . ولما ذم المخلفين بما منه - أي من الذم - أنهم هالكون بعد أن قدم أنه لعنهم ، وكان قد وعد سبحانه أهل الحديبية فتح خيبر جبرا لهم بما منعهم من الاستيلاء على مكة المشرفة لما له في ذلك من الحكم البالغة الدقيقة ، وختم بأنه نافذ الأمر ، وكان ذلك مستلزما لإحاطة العلم ، دل على كلا الأمرين بقوله استئنافا ، جوابا لمن كأنه قال : هل يغفر للمخلفين حتى يكونوا كأنهم ما تخلفوا ؟ : سَيَقُولُ أي بوعد لا خلف فيه . ولما كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بحيث لا مطمع لأحد في أن يظفر منه بشيء من خلاف لأمر اللّه ، أسقط ما عبر به في ذكرهم أولا من خطابه وقال : الْمُخَلَّفُونَ أي لمن يطمعون فيه من الصحابة أن يسعى في تمكينهم من المسير في جيشه صلّى اللّه عليه وسلّم لخفاء الحكم عليه ونحو ذلك ، ولم يقيدهم بالأعراب ليعم كل من كان يتخلف من غيرهم إِذَا انْطَلَقْتُمْ بتمكين اللّه لكم إِلى مَغانِمَ . ولما أفهم اللفظ الأخذ ، والتعبير بصيغة منتهى الجموع كثرتها ، صرح بالأول رفعا للمجاز فقال : لِتَأْخُذُوها أي من خيبر ذَرُونا أي على أي حالة شئتم من الأحوال الدنية نَتَّبِعْكُمْ ولما كان يلزم من تمكينهم من ذلك إخلاف وعد اللّه بأنها تخص أهل الحديبية ، وأنه طرد المنافقين وخيب قصدهم ، علل تعالى قولهم بقوله : يُرِيدُونَ أي بذهابهم معكم أَنْ يُبَدِّلُوا كَلامَ اللَّهِ أي المحيط بكل شيء قدرة وعلما في الإخبار بلعنهم وإبارتهم ، وأن فتح خبير مختص بأهل الحديبية ، لا يشركهم فيه إلا من وافقهم