ابراهيم بن عمر البقاعي
196
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما ذكر سبحانه وتعالى أهل بيعة الرضوان ، وأضافهم إلى حضرة الرحمن ، تشوف السامع إلى الخبر عمن غاب عن ذلك الجناب ، وأبطأ عن حضرة تلك العمرة ، فاستؤنف الإخبار عما ينافقون به بقوله تعالى : سَيَقُولُ أي بوعد لا خلف فيه ، وأكد أمر نفاقهم تنبيها على جلدهم فيه ووقاصهم به ولطف النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وشدة رحمته ورفقه وشفقته فقال : لَكَ أي لأنهم يعلمون أنك ألطف الخلق عشرة وأعظمهم شفقة على عباد اللّه ، فهم يطمعون في قبولك من فاسد عذرهم ما لا يطمعون فيه من غيرك من خلص المؤمنين ، وغاب عنهم - لما عندهم من غلظ الأكباد أن الكذب بحضرتك في غاية القباحة لأنك أعظم الخلق وأفطنهم ، مع ما يأتيك من الأنباء عن علام الغيوب ، وحقر أمرهم بسلب العقل عنهم وجعلهم مفعولين لا فاعلين إشارة إلى أنهم طردوا عن هذا المقام ، لأنهم أشرار لئام ، فقال تعالى الْمُخَلَّفُونَ أي الذين - خلفهم اللّه عنك ولم يرضهم لصحبتك في هذه العمرة ، فجعلهم كالشئ التافه الذي يخلفه الإنسان ، لأنه لا فائدة فيه فلا يؤبه له ولا يعبأ به ، وذلك أنه صلّى اللّه عليه وسلّم لما أراد الاعتمار ندب أصحابه رضوان اللّه عليهم أجمعين لذلك ، وندب من الأعراب الذين حول المدينة الشريفة من كان قد أقر بالإسلام ، فلم يرد اللّه حضورهم لأن إسلامهم لم يكن خالصا ، فلو حضروا لفسد بهم الحال ، وإن حفظ اللّه بحوله وقوته من الفساد ، أعقب ذلك فسادا آخر وهو أن يقال : إنه لم يكف عنهم الأعداء إلا الكثرة ، فتخلفوا لما علم اللّه في تخلفهم من الحكم . ولما كان قد تخلف بالجسد من خلص الأنصار وغيرهم من كان حاضرا معه صلّى اللّه عليه وسلّم بالقلب أخرجهم بقوله : مِنَ الْأَعْرابِ أي أهل البادية كذبا وبهتانا جرأة على اللّه ورسوله شَغَلَتْنا أي عن إجابتك في هذه العمرة أَمْوالُنا وَأَهْلُونا أي لأنا لو تركناها ضاعت ، لأنه لم يكن لنا من يقوم بها وأنت قد نهيت عن إضاعة المال والتفريط في العيال ، ثم سببوا عن هذا القول المراد به السوء قولهم : فَاسْتَغْفِرْ أي اطلب المغفرة لَنا من اللّه إن كنا أخطأنا أو قصرنا . ولما كان هذا ربما يغتر به من لا خبرة له ، رده تعالى بقوله منبها على أن من صدق مع اللّه لم يشغله عنه شاغل ، ومن شغله عنه شيء كان شوما عليه : يَقُولُونَ وعبر بالمضارع إشارة إلى أن هذا ديدن لهم لا ينفكون عنه . ولما صح بعد ذلك إيمان ، لم يعبر بالأفواه دأبه ، في المنافقين ، بل قال : بِأَلْسِنَتِهِمْ أي في الشغل والاستغفار ، وأكد ما أفهمه ذكر اللسان من أنه قول ظاهري نفيا للكلام الحقيقي الذي هو النفسي بكل اعتبار بقوله : ما لَيْسَ فِي قُلُوبِهِمْ لأنهم لم يكن لهم شغل ولا كانت لهم نية في سؤال الاستغفار .