ابراهيم بن عمر البقاعي
188
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
لسائر الغمم ، نصرا يليق إسناده إلى اسمه المحيط بسائر العظم نَصْراً عَزِيزاً أي يغلب المنصور به كل من ناواه ولا يغلبه شيء مع دوامه فلا ذل بعده لأن الأمة التي تنصف به لا يظهر عليها أحد ، والدين الذي قضاه لأجله لا ينسخه شيء . ولما كان صلّى اللّه عليه وسلّم قد أخبر المؤمنين برؤياه أنه يطوف بالكعبة الشريفة ، وعزم على العمرة عام الحديبية ، وخرج صلّى اللّه عليه وسلّم وخرج معه خلاصة أصحابه ألف وخمسمائة ، فكانوا موقنين أنهم يعتمرون في وجههم ذلك ، وقر ذلك في صدورهم وأشربته قلوبهم ، فصار نزعه منها أشق شيء يكون ، قصدهم المشركون بعد أن بركت ناقته وصالحهم صلّى اللّه عليه وسلّم على أن يرجع عنهم في ذلك العام ويعتمر في مثل ذلك الوقت من القابل ، وكان ذلك - بل أدنى منه - مزلزلا للاعتقاد مطرقا للشيطان الوسوسة في الدين ، وقد كان مثله في الإسراء ولم يكن صلّى اللّه عليه وسلّم أخبر بما يوهم في أمره فارتد ناس كثير بسببه ، قال تعالى دالا على النصر بتثبيت المؤمنين في هذا المحل الضنك إظهارا لتمام قدرته ولطيف حكمته : هُوَ أي وحده الَّذِي أَنْزَلَ في يوم الحديبية السَّكِينَةَ أي الثبات على الدين فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ أي الراسخين في الإيمان وهم أهل الحديبية بعد أن دهمهم فيها ما من شأنه أن يزعج النفوس ويزيغ القلوب من صد الكفار ورجوع الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم دون مقصودهم ، فلم يرجع أحد منهم عن الإيمان بعد أن ماج الناس وزلزلوا حتى عمر رضي اللّه عنه - مع أنه الفاروق ومع وصفه في الكتب السالفة بأنه قرن من حديد - فما الظن بغيره في فلق نفسه وتزلزل قلبه ، وكان للصديق رضي اللّه عنه من القدم الثابت والأصل الراسخ ما علم به رضي اللّه عنه أنه لا يسابق ، ثم ثبتهم اللّه أجمعين ، قال الرازي : والسكينة الثقة بوعد اللّه ، والصبر على حكم اللّه ، بل السكينة ههنا معين بجمع فوزا وقوة وروحا ، يسكن إليه الخائف ويتسلى به الحزين ، وأثر هذه السكينة الوقار والخشوع وظهور الحزم في الأمور - انتهى . وكل من رسخ في الإيمان ، له في هذه الآية نصيب جناه دان . ولما أخبر بما لا يقدر عليه غيره ، علله بقوله : لِيَزْدادُوا أي بتصديق الرسول حين قال لهم : إنهم لا بد أن يدخلوا مكة ويطوفوا بالبيت العتيق ، وحلهم اللّه به من الشبهة بتذكرهم أنه لم يقل لهم : إنهم يدخلون العام إِيماناً بهذا التصديق بالغيب من أن صلحهم للكفار ورجوعهم من غير بلوغ قصدهم هو عين الفتح لترتب الصلح عليه وترتب فشو الإسلام على الصلح كما كشف عنه الوجود بعد ذلك ليقيسوا عليه غيره من الأوامر مَعَ إِيمانِهِمْ الثابت من قبل هذه الواقعة ، قال القشيري رحمه اللّه : بطلوع أقمار اليقين على نجوم علم اليقين ، ثم بطلوع شمس حق اليقين على بدر عين اليقين .