ابراهيم بن عمر البقاعي
181
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يحب لذاته بل لفائدته ، وحفظ المروءة أعظم وأفضل وأقوى من التنعم بالأكل الكثير مثلا . ولما أخبر ببخلهم لو سئلوا جميع أموالهم أو أكثرها ، دل عليه بمن يبخل منهم عما سأله منهم وهو جزء يسير جدا من أموالهم ، فقال منبها لهم على حسن تدبيره لهم وعفوه عنهم عند من جعل « ها » للتنبيه ، ومن جعل الهاء بدلا من همزة استفهام جعلها للتوبيخ والتقريع ، لأن من حق من دعاه مولاه أن يبادر للإجابة مسرورا فضلا أن يبخل ، وفي هاء التنبيه ولا سيما عند من يرى تكررها تأكيد لأجل استبعادهم أن أحدا يبخل عما يأمر اللّه به سبحانه : ها أَنْتُمْ وحقر أمرهم أو أحضره في الذهن وصوره بقوله : هؤُلاءِ تُدْعَوْنَ أي إلى ربكم الذي لا يريد بدعائكم إلا نفعكم وأما هو فلا يلحقه نفع ولا ضر لِتُنْفِقُوا شيئا يسيرا من الزكاة وهي ربع العشر ونحوه ، ومن نفقة الغزو وقد يحصل من الغنيمة أضعافها والحج وقد يحصل من المتجر أو أكثر ، وقد عم ذلك وغيره قوله : فِي سَبِيلِ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي يرجى خيره ويخشى ضيره ، بخلاف من يكون وما يكون به اللهو واللعب . ولما أخبر بدعائهم ، فصلهم فقال تعالى : فَمِنْكُمْ أي أيها المدعون مَنْ يَبْخَلُ وهو منكم لا شك فيه ، وحذف القسم الآخر وهو « ومنكم من يجود » لأن المراد الاستدلال على ما قبله من البخل . ولما كان بخله عمن أعطاه المال بجزء يسير منه إنما طلبه ليقع المطلوب منه فقط زاد العجب بقوله : وَمَنْ أي والحال أنه من يَبْخَلُ بذلك فَإِنَّما يَبْخَلُ أي بماله بخلا صادرا عَنْ نَفْسِهِ التي هي منبع الدنايا ، فلا تنفس ولا تنافس إلا في الشيء الخسيس ، فإن نفع ذلك الذي طلب منه فبخل به إنما هو له ، وأكده لأنه لا يكاد أحد يصدق أن عاقلا يتجاوز بماله عن نفع نفسه ، ولذا حذف « ومن يجد فإنما يجد على نفسه » لفهمه عن السياق واستغناء الدليل عنه ، هذا والأحسن أن يكون « يبخل » متضمنا « يمسك » ثم حذف « يمسك » ودل عليه بحال محذوفة دل عليها التعدية بعن . ولما كان سؤال المال قد يوهم شيئا ، قال مزيلا له مقررا لأن بخل الإنسان إنما هو عن نفسه عطفا على ما تقديره : لأن ضرر بخله إنما يعود عليه وهو سبحانه لم يسألكم ذلك لحاجته إليه ولا إلى شيء منكم ، بل لحاجتكم إلى الثواب ، وهو سبحانه قد بنى أمور هذه الدار كما اقتضته الحكمة على الأسباب : وَاللَّهُ أي الملك الأعظم الذي له الإحاطة بجميع صفات الكمال الْغَنِيُّ أي وحده وَأَنْتُمُ أيها المكلفون خاصة الْفُقَراءُ لأن العطاء ينفعكم والمنع يضركم . فمن افتقر منكم إلى فقير مثله وقع