ابراهيم بن عمر البقاعي
177
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان التقدير : إنما ضروا أنفسهم ناجزا بأنهم أتعبوها مما لم يغن عنهم شيئا ، عطف عليه : وَسَيُحْبِطُ أي يفسد فيبطل بوعد لا خلف فيه أَعْمالَهُمْ * من المحاسن لبنائها من المنافق على غير أساس ثابت ، فهو إنما يرائي بها ، ومن المجاهر على غير أساس أصلا ، فلا ينفعهم شيء منها ، ومن المكائد التي يريدون بها توهين الإسلام ونجعل تدميرهم بها في تدبيرهم وإن تناهوا في إحكامها ، فلا تثمر لهم إلا عكس مرادهم سواء . ولما حدى ما تقدم كله من ترغيب المخلص وترهيب المتردد والمبطل إلى الإخلاص ودعا إلى ذلك مع بيان أنه لا غرض أصلا ، وإنما هو رحمة ولطف وإحسان ومنّ ، أنتج قوله مناديا من احتاج إلى النداء من نوع بعد لاحتياجه إلى ذلك وعدم مبادرته قبله : يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أي أقروا بألسنتهم أَطِيعُوا اللَّهَ أي الملك الأعظم تصديقا لدعواكم طاعته بشدة الاجتهاد فيها أنها خالصة ، وعظم الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم بإفراده فقال تعالى : وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ لأن طاعته من طاعة الذي أرسله ، فإذا فعلتم ذلك حققتم أنفسكم وأعمالكم كما مضى أول السورة ، فتكون صحيحة ببنائها على الطاعة بتصحيح النيات وتصفيتها مع الإحسان للصورة في الظاهر ليكمل العمل صورة وروحا . ولما كانت الطاعة قد تحمل على إقامة الصورة الظاهرة ، قال منبها على الإخلاص لتكمل حسا ومعنى : وَلا تُبْطِلُوا أَعْمالَكُمْ * أي بمعصيتهما ، فإن الأعمال الصالحة إذا نوى بها ما لا يرضيهما بطلت وإن كانت في الذروة من حسن الصورة ، فكانت صورة بلا معنى ، فهي مما يكون هباء منثورا مثل ما فعل أولئك المظهرون للإيمان المبطنون للمشاققة بالنفاق والرياء والعجب والملء والأذى ونحو ذلك من المعاصي ، ولكن السياق بسياقه ولحاقه يدل على أن الكفر هو المراد الأعظم بذلك ، والآية من الاحتباك : ذكر الطاعة أولا دليلا على المعصية ثانيا ، والإبطال ثانيا دليلا على الصحة أولا ، وسره أنه أمر بمبدأ السعادة ونهى عن نهاية الفساد ثانيا ، لأنه أعظم في النهي عن الفساد لما فيه من تقبيح صورته وهتك سريرته . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 34 إلى 36 ] إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ ماتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ ( 34 ) فَلا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمالَكُمْ ( 35 ) إِنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَإِنْ تُؤْمِنُوا وَتَتَّقُوا يُؤْتِكُمْ أُجُورَكُمْ وَلا يَسْئَلْكُمْ أَمْوالَكُمْ ( 36 ) ولما دل ما أخبر به أولا عن المشاققين على أنهم مغلوبون في الدنيا خاسرون في الآخرة ، وكانت الخسارة في الآخرة مشروطة بشرط ، علل ما أمر به المؤمنون هنا من الطاعة ونهوا عنه من إبطال الأعمال بالمعصية ، زيادة في حثهم على ما أمر به بعلتين كل