ابراهيم بن عمر البقاعي

155

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

بكثرة العدد والملاءة بالعدد : فَتَعْساً أي فقد عثروا فيقال لهم ما يقال للعاثر الذي يراد أنه لا يقوم : تعسا لا قيام معه ، كما يقال لمن عثر وأريد قيامه : تعسا لك ، والمراد بالتعس الانحطاط والسفول والهوان والقلق . ولما كان كأنه قيل : لمن هذا ؟ قيل : لَهُمْ فلا يكادون يثبتون في قتال لمن صلحت منه الأعمال . ولما كان الإنسان قد يعثر ويقع ويقال له : تعسا ، ويقوم بعد ذلك ، ولا يبطل عمله ، بين أن قوله ليس كذلك ، بل مهما قاله كان لا يتخلف أصلا ، فقال معبرا بالماضي إشارة إلى التحتم فيه ، وأما الاستقبال فربما تاب على بعضهم فيه عاطفا على ما تقديره فقال تعالى لهم ذلك : وَأَضَلَّ أَعْمالَهُمْ * وإن كانت ظاهرة الإيقان لأجل تضييع الأساس بالإيمان . ولما بين ما صنع بهم ليجترىء به حزبه عليهم ، بين سببه ليجتنب فقال : ذلِكَ الأمر البعيد من الخير بِأَنَّهُمْ أي بسبب أنهم كَرِهُوا بغضوا وخالفوا وأنكروا ما أَنْزَلَ اللَّهُ أي الملك الأعظم الذي لا نعمة إلا منه ، والذي أنزله من القرآن والسنة هو روح الوجود الذي لا يعاندونه ، فلما كرهوا الروح الأعظم بطلت أرواحهم فتبعتها أشباحهم ، وهو معنى قوله مسببا بيانا لمعنى إضلال أعمالهم : فَأَحْبَطَ أي أبطل إبطالا لا صلاح معه أَعْمالَهُمْ * بسبب أنهم أفسدوها بنياتهم فصارت وإن كانت صورها صالحة ليس لها أرواح ، لكونها واقعة على غير ما أمر به اللّه الذي لا أمر إلا له ولا يقبل من العمل إلا ما حده ورسمه ، وهذا وعيد للأمة بأنها إن تخلت عن نصر اللّه والجهاد في سبيله والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وكلها سبحانه إلى نفسها وتخلى عن نصرها وسلط عليها عدوها ، ولقد وجد بعض ذلك من تسلط الفسقة لما وجد التهاون في بعض ذلك والتواكل فيه . [ سورة محمد ( 47 ) : الآيات 10 إلى 14 ] أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكافِرِينَ أَمْثالُها ( 10 ) ذلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكافِرِينَ لا مَوْلى لَهُمْ ( 11 ) إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَما تَأْكُلُ الْأَنْعامُ وَالنَّارُ مَثْوىً لَهُمْ ( 12 ) وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْناهُمْ فَلا ناصِرَ لَهُمْ ( 13 ) أَ فَمَنْ كانَ عَلى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْواءَهُمْ ( 14 ) ولما كان لا يستهين بهذه القضايا ويجترىء مثل هذه البلايا إلا من أمن العقوبة ، ولا يأمن العقوبة إلا من أعرض عن اللّه سبحانه وتعالى ، وكان يكفي في الصد عن الأمرين وقائعه تعالى بالأمم الخالية لأجل تكذيب رسله ومناصبة أوليائه والاعتداء على