ابراهيم بن عمر البقاعي

141

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ربيعة أنك خير أهل الأرض مع أنه ليس لهؤلاء النفر من جبلاتهم إلا النفرة والاجتنان وهو الاختفاء والستر فجعلناهم ألفين لك ظاهرين عندك لتبلغهم ما أرسلناك به فإنا أرسلناك إلى جميع الخلائق ، وهذا جبر لك وبشارة بإيمان النافرين من الإنس كما أيدناك منهم بعد نفرة أهل الطائف بعداس ، ثم وصفهم بقوله : يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ أي يطلبون سماع الذكر الجامع لكل خير ، الفارق بين كل ملبس وأنت في صلاة الفجر في نخلة تصلي بأصحابك ، ودل على قرب زمن الصرف من زمن الحضور بتعبيره سبحانه بالفاء في قوله تعالى مفصلا لحالهم : فَلَمَّا حَضَرُوهُ أي صاروا بحيث يسمعونه قالُوا أي قال بعضهم ورضي الآخرون : أَنْصِتُوا أي اسكتوا وميلوا بكلياتكم واستمعوا حفظا للأدب على بساط الخدمة ، وفيه تأدب مع العلم في تعلمه وأيضا مع معلمه ، قال القشيري : فأهل الحضور صفتهم الذبول والسكون والهيبة والوقار ، والثوران والانزعاج يدل على غيبة أو قلة تيقظ ونقصان من الاطلاع ، ودل على أن ما استمعوه كان يسيرا وزمنه قصيرا ، وعلى تفصيل حالهم بعد انقضائه بالفاء في قوله تعالى : فَلَمَّا أي فأنصتوا فحين قُضِيَ أي حصل الفراغ من قراءته الدالة على عظمته من أيّ قارىء كان وَلَّوْا أي أوقعوا التولية - أي القرب - بتوجيه الوجوه والهمم والعزائم إِلى قَوْمِهِمْ الذين فيهم قوة القيام بما يحاولونه ، ودل على حسن تقبلهم لما سمعوه ورسوخهم في اعتقاده بقوله تعالى : مُنْذِرِينَ * أي مخوفين لهم ومحذرين عواقب الضلال بأمر من رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، قال ابن عباس رضي اللّه عنهما : جعلهم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رسلا إلى قومهم . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 30 إلى 32 ] قالُوا يا قَوْمَنا إِنَّا سَمِعْنا كِتاباً أُنْزِلَ مِنْ بَعْدِ مُوسى مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ يَهْدِي إِلَى الْحَقِّ وَإِلى طَرِيقٍ مُسْتَقِيمٍ ( 30 ) يا قَوْمَنا أَجِيبُوا داعِيَ اللَّهِ وَآمِنُوا بِهِ يَغْفِرْ لَكُمْ مِنْ ذُنُوبِكُمْ وَيُجِرْكُمْ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ( 31 ) وَمَنْ لا يُجِبْ داعِيَ اللَّهِ فَلَيْسَ بِمُعْجِزٍ فِي الْأَرْضِ وَلَيْسَ لَهُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِياءُ أُولئِكَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ ( 32 ) ولما كان كأنه قيل : ما قالوا لهم في إنذارهم ؟ قيل : قالُوا أي لقومهم حين أقبلوا عليهم : يا قَوْمَنا مترققين لهم ومشفقين بهم بذكر ما يدل على أنهم منهم يهمهم ما يهمهم ويكربهم ما يكربهم كما قيل : وإن أخاك الحق من كان معك * ومن يضر نفسه لينفعك ولما كانوا - بنزول ما في أسفار الأنبياء من بني إسرائيل والزبور والإنجيل خالية من الأحكام والحدود إلا يسيرا من ذلك في الإنجيل - قاطعين أو كالقاطعين بأنه لا ينزل