ابراهيم بن عمر البقاعي

135

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

غيره ولا خالق سواه ولا منعم إلا هو ، فإني أراكم تشركون به من لم يشركه في شيء من تدبيركم ، والملك لا يقر على مثل هذا . ولما أمرهم ونهاهم ، علل ذلك فقال محذرا لهم من العذاب مؤكدا لما لهم من الإنكار لاعتمادهم على قوة أبدانهم وعظيم شأنهم : إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ لكونكم قومي وأعز الناس علي عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ * لا يدع جهة إلا ملأها عذابه ، إن أصررتم على ما أنتم فيه من الشرك . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 22 إلى 25 ] قالُوا أَ جِئْتَنا لِتَأْفِكَنا عَنْ آلِهَتِنا فَأْتِنا بِما تَعِدُنا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ ( 22 ) قالَ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَأُبَلِّغُكُمْ ما أُرْسِلْتُ بِهِ وَلكِنِّي أَراكُمْ قَوْماً تَجْهَلُونَ ( 23 ) فَلَمَّا رَأَوْهُ عارِضاً مُسْتَقْبِلَ أَوْدِيَتِهِمْ قالُوا هذا عارِضٌ مُمْطِرُنا بَلْ هُوَ مَا اسْتَعْجَلْتُمْ بِهِ رِيحٌ فِيها عَذابٌ أَلِيمٌ ( 24 ) تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّها فَأَصْبَحُوا لا يُرى إِلاَّ مَساكِنُهُمْ كَذلِكَ نَجْزِي الْقَوْمَ الْمُجْرِمِينَ ( 25 ) ولما تشوف السامع إلى جوابهم عن هذه الحكمة ، أجيب بقوله تعالى : قالُوا أي منكرين عليه : أَ جِئْتَنا أي يا هود لِتَأْفِكَنا أي تصرفنا عن وجه أمرنا إلى قفاه عَنْ آلِهَتِنا فلا نعبدها ولا نعتد بها . ولما كان معنى الإنكار النفي ، فكان المعنى : إنا لا ننصرف عنها ، سببوا عنه قولهم فَأْتِنا بِما تَعِدُنا سموا الوعيد وعدا استهزاء به . ولما كان ذلك معناه تكذيبه ، زادوه وضوحا بقولهم معبرين بأداة الشك إشارة إلى أن صدقه في ذلك من فرض المحال : إِنْ كُنْتَ أي كما يقال عنك ، كونا ثابتا مِنَ الصَّادِقِينَ * في أنك رسول من اللّه وأنه يأتينا بما تخافه علينا من العذاب إن أصررنا . ولما تضمن قولهم هذا نسبة داعيهم عليه الصلاة والسّلام إلى ما لا دلالة لكلامه عليه بوجه ، وهو ادعاء العلم بعذابهم والقدرة عليه وتكذيبه في كل منهما اللازم منه أمنهم اللازم منه ادعاؤهم العلم بأنهم لا يعذبون ، وكانوا كاذبين في جميع ذلك كان كأنه قيل : بم أجابهم ؟ فقيل : قالَ مصدقا لهم في سلب علمه بذلك وقدرته عليه ، مكذبا لهم في نسبتهم إليه ادعاء شيء منهما وإلى أنفسهم بأنه لا يقع : إِنَّمَا الْعِلْمُ أي المحيط بكل شيء عذابكم وغيره عِنْدَ اللَّهِ أي المحيط بجميع صفات الكمال ، فهو ينزل علم ما توعدون على من يشاء إن شاء ولا علم لي الآن ولا لكم بشيء من ذلك ولا قدرة . ولما كان العلم المحيط يستلزم القدرة ، فكان التقدير : فليست القدرة على الإتيان بعذابكم إلا له سبحانه وتعالى لا لي ولا لغيري ، وليس عليّ إلا البلاغ كما أوحى إليّ ربي بقوله سبحانه إِنْ عَلَيْكَ إِلَّا الْبَلاغُ [ الشورى : 48 ] وقد أبلغتكم ما أرسلت به