ابراهيم بن عمر البقاعي
132
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
[ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 19 إلى 21 ] وَلِكُلٍّ دَرَجاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمالَهُمْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 19 ) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّباتِكُمْ فِي حَياتِكُمُ الدُّنْيا وَاسْتَمْتَعْتُمْ بِها فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذابَ الْهُونِ بِما كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِما كُنْتُمْ تَفْسُقُونَ ( 20 ) وَاذْكُرْ أَخا عادٍ إِذْ أَنْذَرَ قَوْمَهُ بِالْأَحْقافِ وَقَدْ خَلَتِ النُّذُرُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ أَلاَّ تَعْبُدُوا إِلاَّ اللَّهَ إِنِّي أَخافُ عَلَيْكُمْ عَذابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ ( 21 ) ولما قسمهم في الأعمال ، جمعهم في العدل والإفضال فقال : وَلِكُلٍّ أي من فريقي السعداء والبعداء من القبيلتين : الجن والإنس ، في الدنيا والآخرة دَرَجاتٌ أي دركات أي منازل ومراتب متفاضلين فيها ( من ) أجل ما عَمِلُوا أو من جوهره ونوعه من الأعمال الصالحة والطالحة . ولما كان التقدير : ليظهر ظهورا بينا أنه سبحانه فاعل بالاختيار بالمفاوتة بين العقلاء ويظهر ظهورا بينا لا وقفة فيه أن الحقائق على غير ما كان يتراءى لهم في الدنيا ، فإن حجب المكاره والشهوات كانت ترى الأمور على خلاف ما هي عليه ، عطف عليه قوله في قراءة البصريين وعاصم وهشام عن ابن عامر بخلاف عنه : وَلِيُوَفِّيَهُمْ أي ربهم الذي تقدم إقبال المحسن عليه ودعاؤه له ، وقراءة الباقين بالنون أنسب لمطلع السورة ولما يشير إليه من كشف حجب الكبرياء في يوم الفصل . ولما كان سبحانه يعلم مثاقيل الذر وما دونها وما فوقها ويجعل الجزاء على حسبها في المقدار والشبه والجنس والنوع والشخص حتى يكاد يظن العامل أن الجزاء هو العمل قال : أَعْمالَهُمْ أي جزاءها من خير وشر وجنة ونار - وهذا ظاهر ، أو نص في أن الجن يثابون بالإحسان كما يعاقبون بالعصيان ، وسورة الرحمن كلها خطاب للثقلين بالثواب لأهل الطاعة ، والعقاب لأهل المعصية من كل من القبيلتين ؛ كما سيأتي إن شاء اللّه تعالى بيانه ، ويجزى مطيعهم بالثواب كما يجازى عاصيهم بالعقاب - قاله مالك وابن أبي ليلى والضحاك وغيرهم كما نقله البغوي وَهُمْ أي والحال أنهم لا يُظْلَمُونَ * أي لا يتجدد لهم شيء من ظالم ما من ظلم في جزاء أعمالهم بزيادة في عقاب أو نقص من ثواب ، بل الرحمانية كما كانت لهم في الدنيا فهي لهم في الآخرة فلا يظلم ربك أحدا بأن يعذبه فوق ما يستحقه من العقاب ، أو ينقصه عما يستأهل من الثواب . ولما كان الظاهر في هذه السورة الإنذار كما يشهد به مطلعها ، قال ذاكرا بعض ما يبكت به المجرمون يوم البعث الذي كانوا به يكذبون ويكون فيه توفية جزاء الأعمال ، عاطفا على ما تقديره : اذكر لهم هذا لعلهم يأنفون أن يكونوا المسيئين فيكونوا من المحسنين : وَيَوْمَ أي واذكر لهم يوم يعرضون - هكذا كان الأصل ولكنه أظهر