ابراهيم بن عمر البقاعي
129
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الجنس ، قال مادحا له بصيغة الجمع منبها على أن قبول الطاعات مشروط ببر الوالدين لأن ما ظهر دليل ما بطن ، ومن لا يشكر من كان من جنسه لا سيما وهو أقرب الناس إليه لا سيما وهو السبب في إيجاده لم يشكر اللّه كما في الحديث « لا يشكر اللّه من لا يشكر الناس » « 1 » ومن صلح ما بينه وبين اللّه صلح ما بينه وبين الناس عامة لا سيما الأقارب نسبا أو مكانا لا سيما الوالدين : أُولئِكَ أي العالو الرتبة الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ بأسهل وجه عَنْهُمْ وأشار سبحانه بصيغة التفعل إلى أنه ؟ ؟ ؟ في قبوله عمل المعتني ، وقرأ حمزة والكسائي وحفص بالنون فيه وفي الذي بعده ، ويدل على ذلك قوله تعالى : أَحْسَنَ ويجوز أن يراد به مطلق الدعاء أو الطاعات ويكون ما دون الأحسن مقبولا قبولا مطلقا على مقدار النية فيه ، وتكون التعدية بعن إشارة إلى أن جبلاتهم مبنية على الترقي في معارج الكمال في كل وقت إلى غير نهاية ، فتكون هذه المحاسن ليست منهم بمعنى أنهم مجبولون على أعلى منها في نهاياتهم والعبرة بالنهايات ولذلك قال تعالى : ما عَمِلُوا ولم يقل : أعمالهم . ولما كان الإنسان محل النقصان وإن كان محسنا ، نبه على ذلك وعلى أن شرط تكفير السيئات التوبة بقوله تعالى : وَنَتَجاوَزُ أي بوعد مقبول لا بد من كونه ، وهو معنى قراءة حمزة والكسائي بالنون في الفعلين عَنْ سَيِّئاتِهِمْ أي فلا يعابهم عليها . ولما كان هذا مفهما لأنهم من أهل الجنة ، صرح به زيادة في مدحهم بقوله : فِي أَصْحابِ الْجَنَّةِ أي أنه فعل بهم ذلك وهم في عدادهم لأنهم لم يزالوا فيهم لأنهم ما برحوا بعين الرضا . ولما كان هذا وعدا ، أكد مضمونه بقوله : وَعْدَ الصِّدْقِ لكونه مطابقا للواقع الَّذِي كانُوا بكون ثابت جدا يُوعَدُونَ * أي يقطع لهم الوعد به في الدنيا ممن لا أصدق منهم ، وهم الرسل عليهم الصلاة والسّلام . [ سورة الأحقاف ( 46 ) : الآيات 17 إلى 18 ] وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ أُفٍّ لَكُما أَ تَعِدانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِنْ قَبْلِي وَهُما يَسْتَغِيثانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ ما هذا إِلاَّ أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ ( 17 ) أُولئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنَّهُمْ كانُوا خاسِرِينَ ( 18 ) ولما ذكر سبحانه هذا المحسن بادئا به لكون المقام للإحسان ، أتبعه المسئ المناسب لمقصود السورة المذكور صريحا في مطلعها فقال تعالى : وَالَّذِي قالَ لِوالِدَيْهِ مع اجتماعهما كافرا لنعمهما نابذا لوصيتنا بهما فكان كافرا بنعمة أعظم منعم محسوس بعد الكفر بنعمة أعظم منعم مطلقا ، والتثنية مشيرة إلى أنه أغلظ الناس كبدا ،
--> ( 1 ) تقدم تخريجه .