ابراهيم بن عمر البقاعي

101

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

يتجدد لهم نوع إغناء مبتدىء مِنَ اللَّهِ المحيط بكل شيء قدرة وعلما واصل إليه ، وكل ما لا يكون ذا وصلة به فهو عدم شَيْئاً من إغناء إن تبعتهم كما أنهم لن يقدروا لك على شيء من أذى إن خالفتهم وناصبتهم . ولما كان التقدير : فإنهم ظلمة لا يضعون شيئا في موضعه ، ومن اتبعهم فهو منهم قال تعالى عاطفا عليه : وَإِنَّ وكان الأصل : وإنهم ولكنه أظهر للاعلام بوصفهم فقال : الظَّالِمِينَ أي العريقين في هذا الوصف الذميم بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ فلا ولاية - أي قرب - بينهم وبين الحكيم أصلا لتباعد ما بين الوصفين فكانت أعمالهم كلها باطلة لبنائها على غير أساس خلافا لمن يظن بها غير ذلك تقيدا بالأمور الظاهرة في هذه الدار وَاللَّهُ أي الذي له جميع صفات الجلال والجمال والعز والكمال وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ * الذين همهم الأعظم الاتصاف بالحكمة باتخاذ الوقايات المنجية لهم من سخط اللّه ولا ولاية بينه وبين الظالمين . [ سورة الجاثية ( 45 ) : الآيات 20 إلى 22 ] هذا بَصائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدىً وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ ( 20 ) أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ سَواءً مَحْياهُمْ وَمَماتُهُمْ ساءَ ما يَحْكُمُونَ ( 21 ) وَخَلَقَ اللَّهُ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَلِتُجْزى كُلُّ نَفْسٍ بِما كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ ( 22 ) ولما أوصل سبحانه إلى هذا الحد من البيان ، الفائت لقوى الإنسان ، قال مترجما عنه : هذا أي الوحي المنزل . ولما كان في عظم بيانه وإزالة اللبس عن كل ملبس دق أو جل بحيث لا يلحقه شيء من خفاء ، جعله نفس البصيرة ، مجموعة جمع كثرة بصيغة منتهى الجموع كما جعله روحا فقال : بَصائِرُ لِلنَّاسِ أي الذين هم في أدنى المراتب ، يبصرهم بما يضرهم وما ينفعهم ، فما ظنك بمن فوقهم من الذين آمنوا ثم الذين يؤمنون ومن فوقهم . ولما بين ما هو لأهل السفول ، بين ما هو لأهل العلو فقال تعالى : وَهُدىً أي قائد إلى كل خير ، مانع من كل زيغ وَرَحْمَةٌ أي كرامة وفوز ونعمة لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ * أي ناس فيهم قوة القيام بالوصول إلى العلم الثابت وتجديد الترقي في درجاته إلى ما لا نهاية له أبدا . ولما كان التقدير بعد هذا البيان الذي لم يدع لبسا في أمر الحساب بما حده من الملك الذي يوجب ما له من العظمة والحكمة أن يحاسب عبيده لثواب المحسن وعقاب المسئ : أعلم هؤلاء المخاطبون - لأنهم لا يعدون أن يكونوا من الناس أو من الذين يوقنون بهذه البصائر لما لهم من حسن الغرائز المعلية لهم عن حضيض الحيوان إلى أوج الإنسان أنا نفرق بين المسيئين الذين بعضهم أولياء بعض وبين