ابراهيم بن عمر البقاعي
92
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وتعاظم الأحوال : هذا أي الذي نراه من الهول ما وَعَدَنَا من تصديق دعوانا الإيمان بالبلاء والامتحان اللَّهَ الذي له الأمر كله وَرَسُولُهُ المبلغ عنه في نحو قوله : أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَأْتِكُمْ مَثَلُ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ [ البقرة : 214 ] أَ حَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا [ العنكبوت : 2 ] أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جاهَدُوا مِنْكُمْ [ التوبة : 16 ] وأمثال ذلك ، فسموا المس بالبأساء والضراء ، والابتلاء بالزلزال والأعداء ، وعدا لعلمهم بما لهم عليه عند اللّه ، ولا سيما في يوم الجزاء ، وما يعقبه من النصر ، عند اشتداد الأمر . ولما كان هذا معناه التصديق ، أزالوا عنه احتمال أن يكون أمرا اتفاقيا ، وصرحوا به على وجه يفهم الدعاء بالنصر الموعود به في قولهم عطفا على هذا : وَصَدَقَ مطلقا لا بالنسبة إلى مفعول معين اللَّهُ الذي له صفات الكمال وَرَسُولُهُ الذي كماله من كماله ، أي ظهر صدقهما في عالم الشهادة في كل ما وعدا به من السراء والضراء مما رأيناه . وهما صادقان فيما غاب عنا مما وعدا به من نصر وغيره ، وإظهار الاسمين للتعظيم والتيمن بذكرهما . ولما كان هذا قولا يمكن أن يكون لسانيا فقط كقول المنافقين ، أكده لظن المنافقين ذلك ، فقال سبحانه شاهدا لهم : وَما زادَهُمْ أي ما رأوه من أمرهم المرعب إِلَّا إِيماناً أي باللّه ورسوله بقلوبهم ، وأبلغ سبحانه في وصفهم بالإسلام ، فعبر بصيغة التفعيل فقال : وَتَسْلِيماً أي لهما بجميع جوارحهم في جميع القضاء والقدر ، وقد تقدم في قوله تعالى في سورة الفرقان وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُوراً [ الفرقان : 10 ] ما هو من شرح هذا . ولما كان كل من آمن بائعا نفسه وماله للّه ، لأن اللّه اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم ، وكان بعض الراسخين في الإيمان لم يعط الإيمان حقه في القتال في نفسه وماله ، كما فعل أبو بكر رضي اللّه عنه ، أما في ماله فبالخروج عنه كله ، وأما في نفسه فيما كان يقحمها من الأهوال ، حتى كان النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يقول له في بعض المواطن : « الزم مكانك وأمتعنا بنفسك » « 1 » ، « ويقول له ولعمر رضي اللّه عنهما أنهما من الدين بمنزلة السمع والبصر » « 2 » ، وكان أبو بكر رضي اللّه عنه في ليلة الغار يذكر الطلب فيتأخر ، والرصد فيتقدم ، وما عن الجوانب فيصير إليها ؛ ومنهم من وفى في هذه الغزوة وما قبلها فأراد اللّه التنويه بذكرهم والثناء عليهم توفية لما يفضل به من حقهم ، وترغيبا لغيرهم
--> ( 1 ) تقدم تخريجه . ( 2 ) أخرجه الحاكم 3 / 69 ( 4432 ) من حديث عبد اللّه بن حنطب ، صححه الحاكم وقال الذهبي : حسن ا ه . لكن ليس فيه لفظ : « من الدين »