ابراهيم بن عمر البقاعي
642
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إشارة إلى أن الفتنة إنما هي في إقرار الظلم لا في نصر المظلوم واحدا كان أو جماعة فقال : فَأُولئِكَ أي المنتصرون لأجل دفع ظلم الظالم عنهم فقط ما عَلَيْهِمْ وأكد بإثبات الجار فقال : مِنْ سَبِيلٍ * أي عقاب ولا عتاب ، وروى النسائي وابن ماجة عن عائشة رضي اللّه عنها قالت : ما علمت حتى دخلت عليّ زينب رضي اللّه عنها بغير إذن وهي غضبى ثم أقبلت عليّ فأعرضت عنها حتى قال النبي صلّى اللّه عليه وسلّم : دونك فانتصري ، فأقبلت عليها حتى رأيتها قد يبس ريقها في فيها ما ترد عليّ شيئا ، فرأيت النبي صلّى اللّه عليه وسلّم يتهلل وجهه « 1 » . ولما نفى السبيل عنه بعد تشوف السامع إلى موضع ما أشعر به الكلام السابق من الظلم ، بين ذلك فقال : إِنَّمَا السَّبِيلُ أي الطريق السالك الذي لا منع منه أصلا بالحرج والعنت عَلَى وجمع إعلاما بكثرة المفسدين تجرئة على الانتصار منهم وإن كانوا كثيرا فإن اللّه خاذلهم فقال : الَّذِينَ يَظْلِمُونَ النَّاسَ أي يوقعون بهم ظلمهم تعمدا عدوانا وَيَبْغُونَ أي يتجاوزون الحدود فِي الْأَرْضِ بما يفسدها بعد إصلاحها بتهيئتها للصلاح طبعا وفعلا وعلما وعملا . ولما كان الفعل قد يكون بغيا وإن كان مصحوبا بحق كالانتصار المقترن بالتعدي فيه قال : بِغَيْرِ الْحَقِّ أي الكامل ولما أثبت عليهم بهذا الكلام السبيل ، كان السامع جديرا بأن يسأل عنه فقال : أُولئِكَ أي البغضاء البعداء من اللّه لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ * أي مؤلم بما آلموا من ظلموه من عباد اللّه بحيث يعم إيلامه أبدانهم وأرواحهم بما لها من المشاعر الظاهرة والباطنة . ولما أفهم سياق هذا الكلام وترتيبه هكذا أن التقدير : فلمن صبر عن الانتصار أحسن حالا ممن انتصر ، لأن الخطأ في العفو أولى من الخطأ في الانتقام ، عطف عليه مؤكدا لما أفهمه السياق أيضا من مدح المنتصر : وَلَمَنْ صَبَرَ عن الانتصار من غير انتقام ولا شكوى وَغَفَرَ فصرح بإسقاط العقاب والعتاب فمحا عين الذنب وأثره : إِنَّ ذلِكَ أي ذلك الفعل الواقع منه البالغ في العلو جدا لا يوصف لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ * أي الأمور التي هي لما لها من الأهلية لأن يعزم عليها قد صارت في أنفسها كأنها دوات العزم أو متأهلة لأن تعزم على ما تريد ، والعزم : الإقدام على الأمر بعد الروية والفكرة ، قال أبو علي بن الفراء ؛ آيات العفو محمولة على الجاني النادم ، وآيات مدح الانتصار على المصر ، وذلك إنما يحمد مع القدرة على تمام النصرة كما قال يوسف
--> ( 1 ) حسن . أخرجه النسائي في الكبرى 8914 و 8915 و 11476 وابن ماجة 1981 وأحمد 6 / 93 ( 24099 ) من حديث عائشة . وفي إسناده زكريا مدلس وقد عنعنه لكنه من رجال البخاري ومسلم ولذا صححه البوصيري . والمراد بالحديث ليلة زواج عائشة .