ابراهيم بن عمر البقاعي
627
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
للبشارة يمحوه محوا لا يدع له عينا ولا أثرا لمن ثبت لصولته : وصبر كما أمر لحولته ، اعتمادا على صادق وعد اللّه إيمانا بالغيب وثقة بالرسل عليهم الصلاة والسّلام ، وفي الحذف أيضا تشبيه له بفعل الأمر إيماء إلى أن إيقاع هذا المحو أمر لابد من كونه على أتم الوجوه وأحكمها وأعلاها وأتقنها كما يكون المأمور به من الملك المطاع ، وأما الحق فإنه ثابت شديد مضاعف فلذا قال : وَيُحِقُّ أي يثبت على وجه لا يمكن زواله الْحَقَّ أي كل ما من شأنه الثبات لأنه أذن فيه وأقره ، وعظم الحق وإحقاقه بذكر آلة الفعل فقال : بِكَلِماتِهِ أي التي لَوْ كانَ الْبَحْرُ مِداداً [ الكهف : 109 ] الآية التي يقولون إن ما أتاهم من العبارة عنها افتراء للكذب ، والحاصل أنه سبحانه أثبت صفاء لبه ونورانية قلبه وسداد قوله وصاب أمره ، وظلام قلوبهم وبطلان أقوالهم إثباتا مقرونا بدليله أما لأهل البصائر فبعجزهم عن معارضته ، وأما للأغبياء فبإثبات قوله ومحو قولهم . ولما كانوا يعلمون أنه على حق وهم على باطل ، وكان من أحاط علمه بشيء قدر على ما يريده من ذلك الشيء ، بين ذلك بقوله معللا على وجه التأكيد لأن عملهم عمل من يظن أن اللّه لا يعلم مكرهم : إِنَّهُ عَلِيمٌ أي بالغ بِذاتِ الصُّدُورِ * أي ما هو فيها مما يعلمه صاحبه ومما لا يعلمه فيبطل باطله ويثبت حقه وإن كره الخلائق ذلك وَلَتَعْلَمُنَّ نَبَأَهُ بَعْدَ حِينٍ [ ص : 88 ] ولقد صدق اللّه فأثبت ببركة هذا القرآن كل ما كان يقوله صلّى اللّه عليه وسلّم وأبطل بسيف هذا البرهان كل ما كانوا يخالفونه فيه ، ومن أصدق من اللّه قيلا . [ سورة الشورى ( 42 ) : الآيات 25 إلى 30 ] وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبادِهِ وَيَعْفُوا عَنِ السَّيِّئاتِ وَيَعْلَمُ ما تَفْعَلُونَ ( 25 ) وَيَسْتَجِيبُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ وَيَزِيدُهُمْ مِنْ فَضْلِهِ وَالْكافِرُونَ لَهُمْ عَذابٌ شَدِيدٌ ( 26 ) وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ ما يَشاءُ إِنَّهُ بِعِبادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ ( 27 ) وَهُوَ الَّذِي يُنَزِّلُ الْغَيْثَ مِنْ بَعْدِ ما قَنَطُوا وَيَنْشُرُ رَحْمَتَهُ وَهُوَ الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ ( 28 ) وَمِنْ آياتِهِ خَلْقُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَثَّ فِيهِما مِنْ دابَّةٍ وَهُوَ عَلى جَمْعِهِمْ إِذا يَشاءُ قَدِيرٌ ( 29 ) وَما أَصابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِما كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ ( 30 ) . ولما أخبر بضلالهم وجزم بإبطال أعمالهم ، رغبهم رحمة منه لهم في التوبة التي هي من الحق الذي يحقه ولو على أقل وجوهها بأن يقولوها بألسنتهم ليبلغه ذلك عنهم ، فإن قول اللسان يوشك أن يدخل إلى لا غيره أزلا وأبدا الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ كلما شاء بالغة له أو متجاوزا عَنْ عِبادِهِ الذين هم خالصون لطاعته ، سئل أبو الحسن البوشنجي عن التوبة فقال : إذا ذكرت الذنب فلا تجد له حلاوة في قلبك . ولما كان القبول قد يكون في المستقبل مع الأخذ بما مضى قال : وَيَعْفُوا عَنِ