ابراهيم بن عمر البقاعي

618

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

أَنَّهَا الْحَقُّ إعلاما بأنهم على بصيرة من أمرها ، فهم لا يستعجلون بها ، فالآية من الاحتباك : ذكر الاستعجال أولا دليلا على حذف ضده ثانيا ، والإشفاق ثانيا دليلا على حذف ضده أولا . قال ابن كثير : وقد روي من طرق تبلغ درجة التواتر في الصحاح والحسان والسنن والمسانيد أن رجلا سأل رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بصوت جهوري وهو في بعض أسفاره فناداه : يا محمد ، فقال له النبي صلّى اللّه عليه وسلّم بنحو من صوته « هاؤُمُ » فقال : متى الساعة ؟ فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « ويحك إنها كائنة فما أعددت لها ؟ » فقال : حب اللّه ورسوله ، فقال : « أنت مع من أحببت « 1 » » . قال ابن كثير : فقوله في الحديث « المرء مع من أحب » متواتر لا محالة « 2 » ، والغرض أنه لم يجبه عن وقت الساعة ، بل أمره بالاستعداد لها - انتهى ، وهو مشروط بالبراءة من أعداء اللّه بدليل قصة أبي طالب فإنه لم ينفعه حب الولي نفعا تاما بدون البراءة من العدو . ولما أعلم بتعريف الحق أنها ثابتة ثباتا كاملا لا انقضاء له أصلا ولا زوال لآثارها ، أنتج قوله مؤكدا معظما في مقابلة إنكارهم : أَلا إِنَّ الَّذِينَ يُمارُونَ أي يظهرون شكهم في معرض اللجاجة الشديدة طلبا لظهور شك غيرهم من : مريت الناقة - إذا مسحت ضرعها بشدة للحلب لتستخرج ما عساه يكون فيها من اللبن فِي السَّاعَةِ أي القيامة وما تحتوي عليه لَفِي ضَلالٍ أي ذهاب جائر عن الحق بَعِيدٍ * جدا عن الصواب ، فإن لها من الأدلة الظاهرة في العقل المؤيد بجازم النقل ما ألحقها حال غيابها بالمحسوسات لو كشف الغطاء ما ازددت يقينا . ولما كان حاصل أمر الفريقين أنه أظهر خوف الكافرين في غاية الأمن وأبطن أمن المؤمنين في أزعج خوف ، وكان هذا عين اللطف ، فإنه الوصول إلى الشيء بضده ، ويطلق على إيصال البر إلى الخلق على وجه يدق إدراكه ، وكان أكثر ما يبطىء بالإنسان في أمر الدين اهتمامه بالرزق ، أنتج ذلك قوله : اللَّهُ أي الذي له الأمر كله فهو يفعل ما يريد لَطِيفٌ أي بالغ في العالم وإيقاع الإحسان بإيصال المنافع ، وصرف المضار على وجه يلطف إدراكه ، قال القشيري : اللطيف العالم بدقائق الأمور وغوامضها وهو الملطف المحسن وكلاهما في صفته سبحانه صحيح ، وأكثر ما يستعمل اللطف في وصفه بالإحسان في الأمور الدينية ، وقال الرازي في اللوامع : هو اسم مركب من علم

--> ( 1 ) حسن . أخرجه الترمذي 3536 وابن حبان 562 والطيالسي 1167 و 2321 من حديث صفوان بن عسال المرادي . وإسناده حسن رجاله كلهم ثقات معروفون . ( 2 ) أخرجه البخاري 6167 ومسلم 2639 والترمذي 2385 وابن حبان 8 وأحمد 3 / 173 و 276 من حديث أنس . وأخرجه البخاري 6170 ومسلم 2641 وأحمد 4 / 405 من حديث أبي موسى .