ابراهيم بن عمر البقاعي

61

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الكثرة والنعمة ، فأذاقهم الجدب سنين متوالية ، وفرق شملهم وقتلهم وأسرهم بأيدي المؤمنين إلى غير ذلك بما أراد سبحانه ؛ ثم أكد الإرادة لما قبل الآخرة وحققها بقوله ، معبرا بما يصلح للغيرية والسفول : دُونَ الْعَذابِ الْأَكْبَرِ أي الذي مر ذكره في الآخرة لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ * أي ليكون حالهم حال من يرجى رجوعه عن فسقه عند من ينظره ، وقد كان ذلك ، رجع كثير منهم خوفا من السيف ، فلما رأوا محاسن الإسلام كانوا من أشد الناس فيه رغبة وله حبا . [ سورة السجدة ( 32 ) : الآيات 22 إلى 24 ] وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ ذُكِّرَ بِآياتِ رَبِّهِ ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها إِنَّا مِنَ الْمُجْرِمِينَ مُنْتَقِمُونَ ( 22 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ فَلا تَكُنْ فِي مِرْيَةٍ مِنْ لِقائِهِ وَجَعَلْناهُ هُدىً لِبَنِي إِسْرائِيلَ ( 23 ) وَجَعَلْنا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنا لَمَّا صَبَرُوا وَكانُوا بِآياتِنا يُوقِنُونَ ( 24 ) . ولما كان التقدير : يرجعون عن ظلمهم فإنهم ظالمون ، عطف عليه قوله : وَمَنْ أَظْلَمُ منهم هكذا كان الأصل ولكنه أظهر الوصف الذي صاروا أظلم فقال : مِمَّنْ ذُكِّرَ أي من أيّ مذكر كان وصرف القول إلى صفة الإحسان استعطافا وتنبيها على وجوب الشكر فقال : بِآياتِ رَبِّهِ أي الذي لا نعمة عنده إلا منه . ولما بلغت هذه الآيات من الوضوح أقصى الغايات ، فكان الإعراض عنها مستبعدا بعده ، عبر عنه بأداة البعد لذلك فقال : ثُمَّ أَعْرَضَ عَنْها ضد ما عمله الذين لم يتمالكوا أن خروا سجدا ، ويجوز - وهو أحسن - أن يكون « ثم » على بابها للتراخي ، ليكون المعنى أن من وقع له التذكير بها في وقت ما ، فأخذ يتأمل فيها ثم أعرض عنها بعد ذلك ولو بألف عام فهو أظلم الظالمين ، ويدخل فيه ما دون ذلك عن باب الأولى لأنه أجدر بعدم النسيان ، فهي أبلغ من التعبير بالفاء كما في سورة الكهف ، ويكون عدل إلى الفاء هناك شرحا لما يكون من حالهم ، عند بيان سؤالهم ، الذي جعلوا بأنه آية الصدق ، والعجز عنه آية الكذب . ولما كان الحال مقتضيا للسؤال عن جزائهم ، وكان قد فرد الضمير باعتبار لفظ « من » تنبيها على قباحة الظلم من كل فرد ، قال جامعا لأن إهانة الجمع دالة على إهانة الواحد من باب الأولى ، مؤكدا لأن إقدامهم على التكذيب كالإنكار لأن تجاوزوا عليه ، صارفا وجه الكلام عن صفة الإحسان إيذانا بالغضب : إِنَّا منهم ، هكذا كان الأصلي ، ولكنه أظهر الوصف نصا في التعميم وتعليقا للحكم به معينا لنوع ظلمهم تبشيعا له فقال : مِنَ الْمُجْرِمِينَ أي القاطعين لما يستحق الوصل خاصة مُنْتَقِمُونَ