ابراهيم بن عمر البقاعي

596

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

الجمع بعد المحو والفرق وكان حرف الشفة من بين حروفها الميم ، وهي ذات الدائرة المستوية الاستدارة إشارة إلى أن لأهل هذا الدين من الاجتماع فيه والانطباق عليه والإطافة به والإسراع إليه ما ليس لغيرهم ، وإلى أن هم من القدم الراسخ في القول المقتطع من الفم المختتم بالشفتين ما لا يبلغه غيرهم بحيث إنه لا نهاية له مع حسن استنارته بتناسب استدارته ، ثم إنك إذا بلغت نهاية الجمع في هذه الأحرف بأن جمعت أعداد مسمياتها وهو مائتان وثمانية وسبعون وفي السنة الموافقة لهذا العدد كانت ولادتي ، فكان الابتداء في هذا الكتاب الديني حينئذ بالقوة القريبة من الفعل ، وسنة ابتدائي فيه بالفعل وهي سنة إحدى وستين في شعبان كان سني إذا ذاك قد شارف أربعا وخمسين سنة ، وهو موافق لعدد حرفي ( دن ) أمرا من الدين الذي هو مقصود السورة ، فكأنه أمر إذ ذاك بالشروع في الكتاب ليحصل مقصودها ، وسنة وصولي إلى هذه السورة وهي سنة إحدى وسبعين في شعبان منها كان سني قد شارف أربعا وستين سنة ، وهو موافق لعدد أحرف ( دين ) الذي هو مقصود السورة ، فأنا أرجو بهذا الاتفاق الغريب أن يكون ذلك مشيرا إلى أن اللّه تعالى يجمع بكتابي هذا الذي خصني بإلهامه وادخر لي المنحة بحله وإبرامه ، واعتناقه والتزامه ، أهل هذا الدين القيم جمعا عظيما جليلا جسيما ، يظهر له أثر بالغ في اجتماعهم وحسن تأسيهم برؤوس نقلته وأتباعه ، ومن الآثار الجليلة في لحظها للجمع أنه لما كان مقصود سورة مريم عليهاالسّلام بيان اتصاف الرحمن ، المنزل لهذا القرآن ، بشمول الرحمة لجميع الأكوان ، وكانت هذه السورة لرحمة خاصة من آثار تلك الرحمة العامة ، وهي الاجتماع على هذا الدين المراد ظهوره وعلوه على كل دين وقهره لكل أمر ، فكان لذلك محيطا قاهرا لحظ كل قاهر وظالم ، وكانت هذه الرحمة الخاصة - لنسبتها إلى الخلق - ثانية لتلك العامة ومنشعبة منها ، كانت لكونها من أوصاف الخلق بمنزلة اليسار ، وتلك لكونها من صفة الحق بمنزلة اليمين ، لذلك - واللّه أعلم - قال الأستاذ أبو الحسن الحرالي في كتاب له في الحرف : ولما كان ذلك - أي هذا الاسم المجتمع من هذه الأحرف المقطعة - أول هذه السورة مما ينسب إلى أمر الشمال كان متى وضع على أصابع اليسار ثم وضعت على هانجة ظلم أو جور استولى عليه بحكم إحاطة حكمة اللّه ، وكانت خمسها مضافة إلى خمس كهيعص المستولية على حكمة اليمين محيطا ذلك بالعشر المحيط بكل الحكمة التي مسندها الياء الذي هو أول العشر ومحل الاستواء بما هو عائد وحدة الألف - انتهى . ولما كانت هذه الحروف - واللّه أعلم - مشيرة إلى الاجتماع كما أشار إليه آخر السورة الماضية ، قال اللّه سبحانه وتعالى : كَذلِكَ أي مثل هذا الإيحاء العظيم الشأن