ابراهيم بن عمر البقاعي
562
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
الثامنة يكون الفتح الحقيقي بعشرة آلاف مقاتل أكثرهم دارع لا يرى منهم إلا الحدق ، حتى خالوا بياض لأمهم السراب ، فظنوا بهم غاية العذاب ، فكانوا رحمة ، وعاد رأوا السحاب فظنوه رحمة فكان عذابا ونقمة ، ووصفها بالنحس مبالغة مثل رجل عدل ليدل على أنها كانت قابلة لانفعال الجسد وما كان فيه من القوى بهذه الريح ، وهو مصدر جمع لاختلاف أنواع النحس فيها - هذا على قراءة الجماعة بسكون الحاء ، وأما قراءة ابن عامر والكوفيين بكسر الحاء فهي صفة من فعل بالكسر مثل : فرح فهو فرح ، وأول هذه الأيام الأربعاء في قول يحيى بن سلام ، وقال غيره : وما عذب قوم إلا يوم الأربعاء لِنُذِيقَهُمْ وأضاف الموصوف إلى صفته على المبالغة من وادي رجل عدل فقال : عَذابَ الْخِزْيِ أي الذي يهيئهم ويفضحهم ويذلهم بما تعظموا وافتخروا على كلمة اللّه التي أتتهم بها رسله ، وصف العذاب بالخزي الذي هو للمعذب به مبالغة في إخزائه له فِي الْحَياةِ الدُّنْيا ليذلوا عند من تعظموا عليهم في الدار التي اغتروا بها فتعظموا فيها ، فإن ذلك أدل على القدرة عند من تقيد بالوهم وَلَعَذابُ الْآخِرَةِ الذي أعد للمتكبرين أَخْزى أي أشد إخزاء كما قالوا : هو أعطاهم للدراهم وأولاهم للمعروف ، وأكد لإنكارهم له . ولما انتفت مدافعتهم عن أنفسهم ، نفى دفع غيرهم فقال : وَهُمْ أي أصابهم هذا العذاب وسيصيبهم عذاب الآخرة والحال أنهم لا يُنْصَرُونَ * أي لا يوجد ولا يتجدد لهم نصر أبدا بوجه من الوجوه . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 17 إلى 21 ] وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْناهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى عَلَى الْهُدى فَأَخَذَتْهُمْ صاعِقَةُ الْعَذابِ الْهُونِ بِما كانُوا يَكْسِبُونَ ( 17 ) وَنَجَّيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا وَكانُوا يَتَّقُونَ ( 18 ) وَيَوْمَ يُحْشَرُ أَعْداءُ اللَّهِ إِلَى النَّارِ فَهُمْ يُوزَعُونَ ( 19 ) حَتَّى إِذا ما جاؤُها شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصارُهُمْ وَجُلُودُهُمْ بِما كانُوا يَعْمَلُونَ ( 20 ) وَقالُوا لِجُلُودِهِمْ لِمَ شَهِدْتُمْ عَلَيْنا قالُوا أَنْطَقَنَا اللَّهُ الَّذِي أَنْطَقَ كُلَّ شَيْءٍ وَهُوَ خَلَقَكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ ( 21 ) ولما أنهى أمر صاعقتهم ، شرع في بيان صاعقة ثمود فقال : وَأَمَّا ثَمُودُ وهم قوم صالح عليه الصلاة والسّلام فَهَدَيْناهُمْ أي بينا لهم طريق الهدى من أنا قادرون على البعث وعلى كل شيء ، فلا شريك لنا ، وكان بيان ذلك بالناقة غاية البيان فأبصروا ذلك بأبصارهم التي هي سبب أبصار بصائرهم غاية الإبصار ، فكرهوا ذلك لما يلزمه من تنكب طريق آبائهم وأقبلوا على لزوم طريق آبائهم : فَاسْتَحَبُّوا الْعَمى أي الضلال الناشئ عن عمى البصر أو البصيرة أو هما معا عَلَى الْهُدى أي أوجدوا من الأفعال والأقوال ما يدل على حب ذلك وعلى طلب حبه فعموا فضلوا ، وقال القشيري : قيل :