ابراهيم بن عمر البقاعي
552
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وبين خصمه ، فيكون حينئذ كل فريق محبوسا بحجابه لا يقدر على عمل فينا في ما بعده أو يكون بينهما اتصال أقله بالإعلام بطرق من أراد من المتباينين الحجاب ، فأفادت « من » التبعيض مع إفادة الابتداء ، فإنهم لا يثبتون الحجاب في غير أمور الدين . ولما أخبروا باعراضهم وعللوا بعدم فهمهم لما يدعو إليه ، أمره سبحانه بجواب يبين أنهم على محض العناد فقال : قُلْ أي لهؤلاء الذين عجزوا عن رد شيء من أمرك بشيء يقبله ذو عقل فادعوا ما ينادي عليهم بالعجز : إِنَّما أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ لا غير بشر مما لا يرى ، والبشر يرى بعضه بعضا ويسمعه ويبصره فقولكم إنه لا وصول لكم إلى رؤيتي ولا إدراك شيء مما أقول مما لا وجه له أصلا . ولما كان ادعاؤهم لعدم المواصلة بينهم قد تضمن شيئين : أحدهما فيه ، والآخر فيما يدعو إليه ، ونقض الأول ، قال في الثاني : يُوحى إِلَيَّ أي بطريق يخفى عليكم أَنَّما إِلهُكُمْ أي الذي يستحق العبادة إِلهٌ واحِدٌ لا غير واحد ، وهذا مما دلت عليه الفطر الأولى السوية ، وقامت عليه الأدلة العقلية ، وأيدتها في كل عصر الطرق النقلية ، وانعقد عليه الإجماع في أوقات الضرورات النفسانية ، أي لست مغايرا للبشر ممن يخفى عليكم شخصه كالملك ، ولا يعجم عليهم مراده بصوته كسائر الحيوانات ، ومع كوني بشرا فلست بمغاير لكم في الصنف بكوني أعجميا ، بل أنا مثلكم سواء في كوني عربيا ، ومع ذلك كله فأصل ما أوحي إلي ليس معبرا عنه بجمل طوال تمل أو تنسى ، أو يشكل فهمها ، وإنما هو حرف واحد وهو التوحيد ، فلا عذر لكم أصلا في عدم فهمه ولا سماعه ولا رؤية قائله . ولما قطع حجتهم وأزال علتهم ، سبب عن ذلك قوله : فَاسْتَقِيمُوا أي اطلبوا واقصدوا وأوجدوا القوام متوجهين وإن كان في غاية البعد عنكم إِلَيْهِ غير معرجين أصلا على نوع شرك بشفيع ولا غيره . ولما كان أعظم المراد من الوحي العلم والعمل ، وكان رأس العلم التوحيد فعرفه وأمر بالاستقامة فيه ، أتبعه رأس العمل وهو ما أنبأ عن الاعتراف بالعجز مع الاجتهاد فقال : وَاسْتَغْفِرُوهُ أي اطلبوا منه غفران ذنوبكم ، وهو محوها عينا وأثرا حتى لا تعاقبوا عليها ولا تعاتبوا بالندم عليها ، والإقلاع عنها حالا ومآلا . ولما أمر بالخير ، رغب فيه ورهب من ضده ، فكان التقدير للترغيب : فالفلاح والفوز لمن فعل ذلك ، فعطف عليه ما السياق له فقال : وَوَيْلٌ أي سواة وهلاك لِلْمُشْرِكِينَ * . [ سورة فصلت ( 41 ) : الآيات 7 إلى 12 ] الَّذِينَ لا يُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ بِالْآخِرَةِ هُمْ كافِرُونَ ( 7 ) إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ ( 8 ) قُلْ أَ إِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْداداً ذلِكَ رَبُّ الْعالَمِينَ ( 9 ) وَجَعَلَ فِيها رَواسِيَ مِنْ فَوْقِها وَبارَكَ فِيها وَقَدَّرَ فِيها أَقْواتَها فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَواءً لِلسَّائِلِينَ ( 10 ) ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَهِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَلِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ ( 11 ) فَقَضاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ فِي يَوْمَيْنِ وَأَوْحى فِي كُلِّ سَماءٍ أَمْرَها وَزَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَحِفْظاً ذلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ ( 12 )