ابراهيم بن عمر البقاعي

53

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

سُلالَةٍ أي من شيء مسلول ، أي منتزع منه مِنْ ماءٍ مَهِينٍ أي حقير وضعيف وقليل مراق مبذول ، فعيل بمعنى مفعول ، وأشار إلى عظمة ما بعد ذلك من خلقه وتطويره بقوله : ثُمَّ سَوَّاهُ أي عدله لما يراد منه بالتخطيط والتصوير وإبداع المعاني وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ الروح ما يمتاز به الحي من الميت ، والإضافة للتشريف ، فيا له من شرف ما أعلاه إضافته إلى اللّه . ولما ألقى السامعون لهذا الحديث أسماعهم ، فكانوا جديرين بأن يزيد المحدث لهم إقبالهم وانتفاعهم ، لفت إليهم الخطاب قائلا : وَجَعَلَ أي بما ركب في البدن من الأسباب لَكُمُ السَّمْعَ أي تدركون به المعاني المصوتة ، ووحده لقلة التفاوت فيه إذا كان سالما وَالْأَبْصارَ تدركون بها المعاني والأعيان القابلة . ولعله قدمهما لأنه ينتفع بهما حال الولادة ، وقدم السمع لأنه يكون إذ ذاك أمتن من البصر . ولذا تربط القوابل العين لئلا يضعفها النور ، وأما العقل فإنما يحصل بالتدريج فلذا أخر محله فقال : وَالْأَفْئِدَةَ أي المضغ الحارة المتوقدة المتحرفة ، وهي القلوب المودعة غرائز العقول المتباينة فيها أيّ تباين ؛ قال الرازي في اللوامع : جعله - أي الإنسان - مركبا من روحاني وجسماني ، وعلوي وسفلي ، جمع فيه بين العالمين بنفسه وجسده ، واستجمع الكونين بعقله وحسه ، وارتفع عن الدرجتين باتصال الأمر الأعلى به وحيا قوليا ، وسلم الأمر لمن له الخلق والأمر تسليما اختياريا طوعيا . ولما لم يتبادروا إلى الإيمان عند التذكير بهذه النعم الجسام قال : قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ * أي وكثيرا ما تكفرون . ولما كانوا قد قالوا : محمد ليس برسول ، والإله ليس بواحد ، والبعث ليس بممكن ، فدل على صحة الرسالة بنفي الريب عن الكتاب ، ثم على الوحدانية بشمول القدرة وإحاطة العلم بإبداع الخلق على وجه هو نعمة لهم ، وختم بالتعجيب من كفرهم ، وكان استبعادهم للبعث - الذي هو الأصل الثالث - من أعظم كفرهم ، قال معجبا منهم في إنكاره بعد التعجيب في قوله : أَمْ يَقُولُونَ افْتَراهُ ، لافتا عنهم الخطاب إيذانا بالغضب من قولهم : وَقالُوا منكرين لما ركز في الفطر الأول ، ونبهت عليه الرسل ، فصار بحيث لا يكره عاقل ألم بشيء من الحكمة : أَ إِذا أي أنبعث إذا ضَلَلْنا أي ذهبنا وبطلنا وغبنا فِي الْأَرْضِ بصيرورتنا ترابا مثل ترابها ، لا يتميز بعضه من بعض : قال أبو حيان تبعا للبغوي والزمخشري وابن جرير الطبري وغيرهم : وأصله من ضل الماء في اللبن - إذا ذهب . ثم كرروا الاستفهام الإنكاري زيادة في الاستبعاد فقالوا : إِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ هو محيط بنا ونحن مظروفون له . ولما كان قولهم هذا يتضمن إنكارهم القدرة ، وكانوا يقرون بما يلزمهم منه الإقرار