ابراهيم بن عمر البقاعي
529
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
قطعا قوله : إِنَّ السَّاعَةَ أي القيامة التي يجادله فيها المجادلون لَآتِيَةٌ وعزتي ! للحكم بالعدل في المقاوتة بين المسئ والمحسن لأنه لا يسوغ في الحكمة عند أحد من الخلق أن يساوي أحد بين محسن عبيده ومسيئهم ، فكيف يظن ذلك بأحكم الحاكمين الذي نشاهده يميت المسئ وهو في غاية النعمة والمعصية ، والمحسن وهو في غاية البلاء والطاعة ، والمظلوم قبل أن ينتصف من الظالم ، ولهذا الأمر الظاهر قال : لا رَيْبَ فِيها أي لا شك في إتيانها بوجه من الوجوه ، لأفضي فيها بالعدل فأدخل فيها ناسا دار رحمتي ، وآخرين دار نقمتي . ولما وصل الحال في أمرها إلى حد لا خفاء به أصلا ، نفى الإيمان دون العلم فقال تعالى : وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ أي بما فيهم من النوس وهو الاضطراب ، وراعى معنى الأكثر فجمع لأن الجمع أدل على المراد وأقعد في التبكيت : لا يُؤْمِنُونَ * أي لا يجعلون المخبر لهم بإتيانها آمنا من التكذيب مع وضوح علمها لديهم ، وما ذاك إلا لعناد بعضهم وقصور نظر الباقين على الحس . ولما كان التقدير : فعل ذلك ربكم ليقضي بين عباده بالعدل فيدخل المحسن الجنة نصرة له ، والمسئ النار خذلانا وإهانة له ، لما برز به وعده من أنه ينصر رسله وأتباعهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة ، وقال لعباده كلهم : آمنوا لأسلمكم من غوائل تلك الدار ، عطف عليه قوله : وَقالَ رَبُّكُمُ أي المحسن إليكم بهدايتكم ووعدكم النصرة : ادْعُونِي أي استجيبوا لي بأن تعبدوني وحدي فتسألوني ما وعدتكم به من النصرة على وجه العبادة ، وهذا معنى قوله صلّى اللّه عليه وسلّم « الدعاء هو العبادة » فقد حصر الدعاء في العبادة سواء كانت بدعاء أو صلاة أو غيرهما ، فمن كان عابدا خاضعا للّه تعالى بسؤال أو غيره كانت عبادته دعاء ، عن ابن عباس رضي اللّه عنهما : وحدوني أغفر لكم . وعن الثوري أنه قيل له : ادع ، فقال : إن ترك الذنوب هو الدعاء . أَسْتَجِبْ أي أوجد الإجابة إيجادا عظيما كأنه ممن يطلب ذلك بغاية الرغبة فيه لَكُمُ في الدنيا أي بإيجاد ما دعوتم به ، أو كشف مثله من الضر ، أو ادخاره في الآخرة ، ليظهر الفرق بين من له الدعوة ومن ليس له دعوة في الدنيا ولا في الآخرة ، ولا تتكلوا على ما سبق به الوعد فتتركوا الدعاء فتتركوا العبادة التي الدعاء مخها ، فكل ميسر لما خلق له ، قال القشيري ، وقيل : الدعاء مفتاح الإجابة ، وأسنانه لقمة الحلال - انتهى - والآية بمعنى آية البقرة أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذا دَعانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي [ آية : 186 ] . ولما كان السبب في ترك الدعاء في العادة الكبر ، فكان كأنه قيل : ولا تتركوا دعائي تكونوا مستكبرين ، علله ترهيبا في طيه ترغيب بقوله : إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ أي