ابراهيم بن عمر البقاعي
528
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
وأقلهم يعلمون ، فثبت أن خالقهم الذي فاوت بينهم قادر مختار لا شريك له ، فإنه ما يستوي العالم والجاهل : وَما يَسْتَوِي أي بوجه من الوجوه من حيث البصر الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ * وذلك موجب للعلم بأن استناد المتخالفين ليس إلى الطبيعة ، بل إلى فاعل مختار . ولما ذكر الظلام والنور الحسيين ، أتبعه المعنويين نشرا مشوشا ليكشف قسما الظلام قسمي النور إشارة إلى أن المهتدي عزيز الوجود ، كالذهب الإبريز بين النقود ، فقال : وَالَّذِينَ آمَنُوا أي أوجدوا هذه الحقيقة سواء ثبتت أو لا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ كذلك فكانوا محسنين وَلَا الْمُسِيءُ أي الثابت الإساءة الذي كفر وعمل الصالحات ، ووقع التغاير في العطف لأن المراد - واللّه أعلم - نفس التساوي بين أفراد الأعمى وأفراد البصير والمحسن والمسئ ، ولكنه لما كان في المخاطبين الغبي والذكي ، عطف البصير بغير « لا » ليكون ظاهر ذلك نفي المساواة بين نوعي الأعمى والبصير ، لأن نفي المساواة بين أفراد الأنواع دقيق ، واقتصر على الواو في عطف الَّذِينَ آمَنُوا لأنه لا ينتظم أن يراد جعل الأعمى والبصير فريقا والمؤمن الموصوف فريقا ، وينتفي التساوي بينهما لأنه لا لبس في أن المؤمنين الموصوفين كالبصير ، وليس فيهم من يتوهم مساواته للأعمى ، فكان من الجلي معرفة أن المراد نفي مساواة الأعمى للبصير ونفي مساواة المؤمن الموصوف للمسيء ، وزيدت « لا » في المسئ وعبر فيه بالإفراد إشارة للفطن إلى أن المراد نفي التساوي بين أفراد كل نوع لأن ذلك أدل على القدرة ، وأنها بالاختيار ، وهذا بخلاف الظلمات في سورة فاطر لأنه لو تركت « لا » هناك لتوهم متوهم أن المنفي المساواة بين الأعمى والبصير وبين الظلمات ، فيوجد حينئذ الطعن بأن الظلمات مساوية لهما باعتبار أن الظلمة منها كثيف جدا لا يمكن نفوذ البصر فيه ، ومنها خفيف جدا يكون تسميته ظلاما بالنسبة إلى النور الساطع ، والآية من الاحتباك : ذكر عمل الصالحات أولا دليلا على ضدها ثانيا ، والمسئ ثانيا دليلا على المحسنين أولا ، وسره أنه ذكر الصلاح ترغيبا والإساءة ترهيبا . ولما تقرر هذا على هذا النحو من الوضوح الذي لا مانع للإنسان من فهمه ورسوخه في علمه إلا عدم تذكره لحسه حتى في نفسه قال تعالى : قَلِيلًا ما يتذكرون أي المجادلون أو أيها المجادلون أو الناس لأن المتذكر غاية التذكر - بما دل عليه الإظهار - منكم قليل - على قراءة الكوفيين بالخطاب لأنه أقوى في التبكيت ، وأدل على الغضب . ولما ثبت بهذا كله تمام القدرة ، وانتفى ما توهمه من لا بصر له من الطبائع ، ثبت