ابراهيم بن عمر البقاعي

523

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

رُسُلُكُمْ أي الذين هم منكم فأنتم جديرون بالإصغاء إليهم والإقبال عليهم ، لأن الجنس إلى الجنس أمثل ، والإنسان من مثله أقبل بِالْبَيِّناتِ أي التي لا شيء أوضح منها قالُوا أي الكفار : بَلى أي أتونا كذلك ، ثم استأنفوا جوابهم لما حصل من التشوف إليه بما حاصله عدم إجابتهم فسببوا عن إخبارهم بعدم إجابتهم للرسل عدم إجابة دعائهم فقال تعالى مخبرا عنهم : قالُوا أي الخزنة : فَادْعُوا أي أنتم الآن اللّه أو أهل اللّه من رسل البشر أو الملائكة أو غيرهم ، أو لا تدعوا فإنه لا يسمع لكم . ولما كان أمرهم بالدعاء موجبا لأن يظنوا نفعه ، أتبعوه بما أيأسهم لأن ذلك أنكأ وأوجع وأشد عليهم وأفظع بقولهم : وَما دعاؤكم - هكذا كان الأصل ، ولكنه أتى بالوصف تعليقا للحكم به فقال : دُعاءُ الْكافِرِينَ أي الساترين لمرائي عقولهم عن أنوار العقل المؤيد بصحيح النقل إِلَّا فِي ضَلالٍ * أي ذهاب في غير طريق موصل كما كانوا هم في الدنيا كذلك فإن الدنيا مزرعة الآخرة ، من زرع شيئا في الدنيا حصده في الآخرة ، والآخرة ثمرة الدنيا لا تثمر إلا من جنس ما غرس في الدنيا . [ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 51 إلى 55 ] إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنا وَالَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهادُ ( 51 ) يَوْمَ لا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ ( 52 ) وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْهُدى وَأَوْرَثْنا بَنِي إِسْرائِيلَ الْكِتابَ ( 53 ) هُدىً وَذِكْرى لِأُولِي الْأَلْبابِ ( 54 ) فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنْبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بِالْعَشِيِّ وَالْإِبْكارِ ( 55 ) . ولما كان حاصل ما مضى من هذا القص الذي هو أحلى من الشراب ، وأغلى من الجوهر المنظم في أعناق الكواعب الأتراب ، أنه سبحانه نصر الرسل على أممهم حين هموا بأخذهم ، فلم يصلوا إليهم ثم أهلكهم اللّه هذا في الدنيا ، وأما في الآخرة فعذبهم أشد العذاب ، وكذلك نصر موسى عليه السّلام والمؤمن الذي دافع عنه ، وكان نصر أهل اللّه قاطبة خفيا ، لأنهم يبتلون ثم يكون لهم العاقبة ، فكان أكثر الجامدين وهم أكثر الناس يظن أنه لا نصرة لهم ، قال اللّه تعالى لافتا القول إلى مظهر العظمة ، لأن النصرة عنها تكون على سبيل الاستنتاج مما مضى مؤكدا تنبيها للأغبياء على ما يخفى عليهم : إِنَّا أي بما لنا من العظمة لَنَنْصُرُ رُسُلَنا أي على من ناوأهم وَالَّذِينَ آمَنُوا أي اتسموا بهذا الوصف وإن كانوا في أدنى رتبة . ولما كانت الحياة تروق وتحلو بالنصرة وتتكدر بضدها ، ذكرها لذلك ولئلا يتوهم لو سقطت أن نصرتهم تكون رتبتها دنية فقال : فِي الْحَياةِ الدُّنْيا بالزامهم طريق الهدى الكفيلة بكل فوز وبالحجة والغلبة ، وإن غلبوا في بعض الأحيان فإن العاقبة تكون