ابراهيم بن عمر البقاعي
515
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
ولما كان بلوغها أمرا عجيبا ، أورده على نمط مشوق عليه ليعطيه السامع حقه من الاهتمام تفخيما لشأنها ، ليتشوف السامع إلى بيانها ، بقوله : أَسْبابَ السَّماواتِ أي الأمور الموصلة إليها ، وكل ما أداك إلى شيء فهو سبب إليه . ولما ذكر هذا السبب ، ذكر المسبب عنه فقال : فَأَطَّلِعَ أي فلعله يتسبب عن ذلك ويتعقبه أني أتكلف الطلوع إِلى إِلهِ مُوسى فيكون كما ترى عطفا على أَبْلُغُ ، ونصبه حفص عن عاصم على الجواب تنبيها على أن ما أبرزه الخبيث في عداد الممكن إنما هو تمني محال غير ممكن في العادة . ولما كان من جملة إرادته بذلك مع إيقاف قومه إلى وقت ما عن المتابعة أن يخيلهم بأن يقول : طلعت فبحثت عما قال موسى فلم أقف له على صحة ، قدم لهم قوله مبينا لحاله إذ ذاك لما ظن من ميل قلوبهم إلى تصديق موسى عليه السّلام : وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ أي موسى كاذِباً فترك الكلام على احتمال أن يريد في الرسالة أو في الإلهية . ولما كان هذا أمرا عجيبا ، وهو كون أحد يظن أنه يخيل للعقول أنه يصعد إلى السماء ، وأن الإله الذي هو غني عن كل شيء وقد كان ولا شيء معه يكون في السماء ، أو في محل من المحال ، فإن كل حال في شيء يحتاج إلى محله ، وكل محتاج عاجز ولا يصلح العاجز للإلهية لو لم يجئ عن اللّه لما كان أهلا لأن يصدق ، فكان التقدير : عمله فرعون لأنا زيناه له ، عطف عليه زيادة في التعجيب : وَكَذلِكَ أي ومثل ذلك التزيين العظيم الشأن اللاعب بالألباب . ولما كان الضار هو التزيين لا المزين الخاص ، بناه للمفعول فقال : زُيِّنَ أي زين المزين النافذ الأمر ، وهو للّه تعالى حقيقة بخلقه وإلزامه لأن كل ما دخل في الوجود من المحدثات فهو خلقه ، والشيطان مجازا بالتسبب بالوسوسة التي هي خلق اللّه تعالى لِفِرْعَوْنَ سُوءُ عَمَلِهِ في جميع أمره ، فاقبل عليه راغبا فيه مع بعده عن عقل أقل ذوي العقول فضلا عن ذوي الهمم منهم فضلا عن الملوك ، وأطاعه فيه وقومه وَصُدَّ بنفسه ومنع غيره على قراءة الفتح ، ومنعه اللّه - على قراءة الكوفيين ويعقوب بالضم عَنِ السَّبِيلِ أي التي لا سبيل في الحقيقة غيرها ، وهو الموصلة إلى اللّه تعالى . ولما كان هذا السياق بحيث يظن منه الظان أن لفرعون نوع تصرف ، نفى ذلك بقوله : وَما كَيْدُ وأعاد الاسم ولم يضمره لئلا يخص بحيثية من الحيثيات فقال : فِرْعَوْنَ أي في إبطال أمر موسى عليه السّلام إِلَّا فِي تَبابٍ * أي خسار وهلاك عظيم محيط به لا يقدر على الخروج منه ، وما تعطاه إلا لأنه محمول عليه ومقهور فيه ، كما كشف عنه الحال ، فدل ذلك قطعا على أنه لو كان له أدنى تصرف يستقل به لما أنتج فعله الخسار .