ابراهيم بن عمر البقاعي
498
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
مِنْ دُونِهِ أي سواه ، ومن المعلوم أنهم خلقه فهم دون رتبته لأنهم في قهره لا يَقْضُونَ بِشَيْءٍ من الأشياء أصلا ، فضلا عن أن يقضوا بما يعارض حكمه ، فلا مانع له من القضاء بالحق ، فلا مقتضى لقبول الشفاعة فيمن يعلم عراقته في الظلم أنه لا ينفك عنه . ولما أخبر أنه لا فعل لشركائهم ، وأن الأمر له وحده ، علل ذلك بقوله مرهبا من الخيانة وغيرها من الشر ، مرغبا في كل خير ، مؤكدا لأجل أن أفعالهم تقتضي إنكار ذلك : إِنَّ اللَّهَ عبر به لأن السياق لتحقير شركائهم وبيان أنها في غاية النقصان هُوَ أي وحده . ولما ذكر ما هو غيب ، وصفه بأظهر ظاهر فقال : السَّمِيعُ أي لكل ما يمكن أن يسمع الْبَصِيرُ * أي بالبصر والعلم لكل ما يمكن أن يبصر ويعلم ، فلا إدراك لشركائهم أصلا ولا لشيء غيره بالحقيقة ، ومن لا إدراك له لا قضاء له ، فثبت أن الأمر له وحده ، فما تنفعهم شفاعة الشافعين ولا تقبل فيهم من أحد شفاعة بعد الشفاعة العامة التي هي خاصة بنبينا صلّى اللّه عليه وسلّم ، وهي المقام المحمود الذي يغبطه به الأولون والآخرون ، فإن كل أحد يحجم عنها حتى يصل الأمر إليه صلّى اللّه عليه وسلّم فيقول : أنا لها أنا لها ، ثم يذهب إلى المكان الذي أذن له فيشفع ، فيشفعه اللّه تعالى فيفصل سبحانه بين الخلائق ليذهب كل أحد إلى داره : جنته أو ناره ، روى الشيخان : البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي اللّه عنه قال : كنا مع رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم في دعوة فرفع إليه الذراع ، وكانت تعجبه ، فنهش منها نهشة ، فقال : « أنا سيد الناس يوم القيامة ، هل تدرون مم ذاك ، يجمع اللّه الأولين والآخرين في صعيد واحد فيبصرهم الناظر ، ويسمعهم الداعي ، وتدنو منهم الشمس ، فيبلغ الناس من الغم والكرب ما لا يطيقون ولا يحملون ، فيقول الناس : ألا ترون إلى ما أنتم فيه وإلى ما بلغكم ؟ ألا تنظرون إلى من يشفع لكم إلى ربكم ، فيقول بعض الناس لبعض : أبوكم آدم فذكر سؤالهم أكابر الأنبياء ، وكل واحد منهم يحيل على الذي بعده إلى أن يقول عيسى عليه السّلام : اذهبوا إلى محمد صلّى اللّه عليه وسلّم ، فيقول النبي صلّى اللّه عليه وسلّم حين يأتونه : أنا لها ، فينطلق فيسجد تحت العرش » « 1 » - وهو مروي عن غير أبي هريرة عن أنس وغيره من الصحابة رضي اللّه تعالى عنهم ، ولكن لم أر فيه التصريح بالشفاعة العامة بعد رفع رأسه صلّى اللّه عليه وسلّم من السجود إلا فيما رواه البخاري في الزكاة من صحيحه في باب « من سأل الناس تكثرا » عن ابن عمر رضي اللّه عنهما أن النبي صلّى اللّه عليه وسلّم قال : « إن الشمس تدنو يوم القيامة حتى يبلغ العرق نصف الأذن فبينما هم كذلك استغاثوا بآدم ثم بموسى ثم بمحمد
--> ( 1 ) صحيح . أخرجه البخاري 3340 و 3361 و 4712 ومسلم 194 والترمذي 2434 وابن حبان 6465 وابن خزيمة في التوحيد ص 242 من حديث أبي هريرة .