ابراهيم بن عمر البقاعي
494
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
إلى ذلك بأداة الاستعلاء فقال : عَلى مَنْ يَشاءُ ولما كان ما رأوه من الملوك لا يتمكنون من رفع كل من أرادوا من رقيقهم ، نبه على عظمته بقوله : مِنْ عِبادِهِ وأشار بذلك مع الإشارة إلى أنه مطلق الأمر لا يسوغ لأحد الاعتراض عليه ، ولو اعترض كان اعتراضه أقل من أن يلتفت إليه أو يعول بحال عليه إلى توهية قولهم أو أُنْزِلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ مِنْ بَيْنِنا [ ص : 8 ] بأنه عليه السّلام المخلص في عباده لم يمل إلى شيء من أوثانهم ساعة ما ولا صرف لحظة عن الإله الحق طرفة عين ، فلذلك اختصه من بينهم بهذا الروح الذي لا روح في الوجود سواه ، فمن أقبل عليه وأخلص في تلاوته والعمل بما يدعو إليه والبعد عما ينهى عنه صار ذا روح موات يحيي الأموات ويزري بالنيرات . قال الرازي : قال ابن عطاء : حياة القلب على حسب ما ألقي إليه من الروح ، فمنهم من ألقي إليه روح الرسالة ، ومنهم من ألقي إليه روح النبوة ، ومنهم من ألقي إليه روح الصديقية والكشف والمشاهدة ، ومنهم من ألقي إليه روح العلم والمعرفة ، ومنهم من ألقي إليه روح العبادة والخدمة ، ومنهم من ألقي إليه روح الحياة فقط ، ليس له علم باللّه ولا مقام مع اللّه ، فهو ميت في الباطن ، وله الحياة البهيمية التي يهتدي بها إلى المعاش دون المعاد - انتهى . وبالجملة فكل من هذه الأرواح منطق لمن ألقي عليه مطلق للسانه ببديع بيانه وإن اختلف نطقهم في بيانهم ، وتصرفهم في عظيم شأنهم . ولما بين سر اختصاصه بالإرسال لهذا النبي الكريم ، أتبع ذلك بما يزيده بيانا من ثمرة الإرسال فقال : لِيُنْذِرَ أي الذي اختصه سبحانه بروحه ، وعبر بما يقتضيه تصنيف الناس الذي هو مقصود السورة من الاجتماع ، وأزال وهم من قد يستحيل لقاء سبحانه لرفعة درجاته وسفول درجات غيره يَوْمَ التَّلاقِ * أي الذي لا يستحق أن يوصف بالتلاقي على الحقيقة غيره لكونه يلتقي فيه الأولون والآخرون وأهل السماوات والأرض ولا حيلة لأحد منهم في فراق غريمه بغير فصل على وجه العدل ، وإلى هذا المعنى أشارت قراءة ابن كثير باثبات الياء في الحالين وهو واضح جدا في إفراد حزبي الأسعدين والأخسرين فإنه تلاق لا آخر له ، وأشارت قراءة الجمهور بالحذف في الحالين إلى تلاقي هذين الجزئين : أحدهما بالآخر فإنه - واللّه أعلم - قل ما يكون حتى يفترقا بالأمر بكل إلى داره : الأسعدين بغير حساب ، والأخسرين لا يقام لهم وزن ، وأشار الإثبات في الوقف دون الوصل إلى الأمر الوسط وهي لمن بقي فإن لقاءهم يمتد إلى حين القصاص لبعضهم من بعض . ولما أفهم ذلك عدم الحجاب من بيوت أو جبال ، أو أشجار أو تلال ، أو غير ذلك من سائر ذوات الظلال ، نبه عليه في قوله معيدا ذكر اليوم لأنه أهول له : يَوْمَ هُمْ أي بظواهرهم وبواطنهم بارِزُونَ أي بروزا لا ساتر فيه أصلا .