ابراهيم بن عمر البقاعي

489

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

[ سورة غافر ( 40 ) : الآيات 8 إلى 13 ] رَبَّنا وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ الَّتِي وَعَدْتَهُمْ وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ ( 8 ) وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ يَوْمَئِذٍ فَقَدْ رَحِمْتَهُ وَذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ( 9 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يُنادَوْنَ لَمَقْتُ اللَّهِ أَكْبَرُ مِنْ مَقْتِكُمْ أَنْفُسَكُمْ إِذْ تُدْعَوْنَ إِلَى الْإِيمانِ فَتَكْفُرُونَ ( 10 ) قالُوا رَبَّنا أَمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأَحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنا بِذُنُوبِنا فَهَلْ إِلى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ ( 11 ) ذلِكُمْ بِأَنَّهُ إِذا دُعِيَ اللَّهُ وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِنْ يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُوا فَالْحُكْمُ لِلَّهِ الْعَلِيِّ الْكَبِيرِ ( 12 ) هُوَ الَّذِي يُرِيكُمْ آياتِهِ وَيُنَزِّلُ لَكُمْ مِنَ السَّماءِ رِزْقاً وَما يَتَذَكَّرُ إِلاَّ مَنْ يُنِيبُ ( 13 ) . ولما كانت النجاة من العذاب لا تستلزم الثواب ، قالوا مكررين صفة الإحسان زيادة في الرقة في طلب الامتنان : رَبَّنا أي أيها المحسن إلينا بتوفيق أحبابنا الذين لذذونا بالمشاركة في عبادك بالجنان واللسان والأركان وَأَدْخِلْهُمْ جَنَّاتِ عَدْنٍ أي إقامة لا عناد فيها . ولما كانوا عالمين بأنه سبحانه لا يجب عليه لأحد شيء ولا يقبح منه شيء ، نبهوا على ذلك بقولهم : الَّتِي وَعَدْتَهُمْ مع الزيادة في التملق واللطافة في الحث وإدخالهم لأجل استعمالك إياهم الصالحات . ولما كان الإنسان لا يطيب له نعيم دون أن يشاركه فيه أحبابه الذين كانوا يشاركونه في العبادة قالوا مقدمين أحق الناس بالإجلال : وَمَنْ صَلَحَ مِنْ آبائِهِمْ ثم أتبعوهم ألصقهم بالبال فقالوا : وَأَزْواجِهِمْ وَذُرِّيَّاتِهِمْ . ولما كان فاعل هذا منا ربما نسب إلى ذل أو سفه ، وربما عجز عن الغفران لشخص لكثرة المعارضين ، عللوا بقولهم مؤكدين لأجل نسبة الكفار العز إلى غيره ، ومن ذلك تسميتهم العزى : إِنَّكَ أَنْتَ أي وحدك الْعَزِيزُ فأنت تغفر لمن شئت غير منسوب إلى وهن الْحَكِيمُ * فكل فعل لك في أتم مواضعه فلذلك لا يتهيأ لأحد نقضه ولا نقصه . ولما كان الإنسان قد يغفر له ويكرم ، وفيه من الأخلاق ما ربما حمله على بعض الأفعال الناقصة دعوا لهم بالكمال فقالوا : وَقِهِمُ السَّيِّئاتِ أي بأن تجعل بينهم وبينها وقاية بأن تطهرهم من الأخلاق الحاملة عليها بتطهير القلوب بنزع كل ما يكره منها أو بأن يغفرها لهم ولا يجازيهم عليها ، وعظموا هذه الطهارة ترغيبا في حمل النفس في هذه الدار على لزومها بقمع النفوس وإماتة الحظوظ بقولهم : وَمَنْ تَقِ السَّيِّئاتِ أي جزاءها كلها يَوْمَئِذٍ أي يوم إذ تدخل فريقا الجنة وفريقا النار المسببة عن السيئات أو إذ تزلف الجنة للمتقين وتبرز الجحيم للغاوين : فَقَدْ رَحِمْتَهُ أي الرحمة الكاملة التي لا يستحق غيرها أن يسمى معها رحمة ، فإن تمام النعيم لا يكون إلا بها لزوال التحاسد