ابراهيم بن عمر البقاعي

467

نظم الدرر في تناسب الآيات والسور

ولما كان الخافقان خزائن الكائنات ، وكان لا يتصرف في الخزائن إلا ذو المفاتيح ، قال دالّا على وكالته : لَهُ أي وحده مَقالِيدُ واحدها مقلاد مثل مفتاح ، ومقليد مثل قنديل ، وهي المفاتيح والأمور الجامعة القوية وهي استعارة لشدة التمكن من السَّماواتِ أي جميع أعدادها وَالْأَرْضِ أي جنسها خزائنهما وأمورهما ومفاتيحهما الجامعة لكل ما فيهما ، فلا يمكن أن يكون فيهما شيء ولا أن يتصرف فيه شيء منهما ولا فيهما أحد إلا بإذنه فلا بدع في تنجيته الذين اتقوا . ولما كان التقدير : فالذين آمنوا باللّه وتقبلوا آياته أولئك هم الفائزون ، عطف عليه قوله الذي اقتضاه سياق التهديد : وَالَّذِينَ كَفَرُوا أي لبسوا ما اتضح لهم من الدلالات ، وجحدوا أن تكون الأمور كلها بيده بِآياتِ اللَّهِ أي الذي لا ظاهر غيرها ، فإنه ليس في الوجود إلا ذاته سبحانه وهي غيب لا يمكن المخلوق دركها ، وأفعاله وهي أظهر الأشياء ، وصفاته وهي غيب من جهة شهادة من جهة أخرى أُولئِكَ البعداء البغضاء هُمُ خاصة الْخاسِرُونَ * فإنهم خسروا نفوسهم وكل شيء يتصل بها على وجه النفع لأن كفرهم أقبح الكفر من حيث إنه متعلق بأظهر الأشياء . ولما قامت هذه الدلائل كما ترى قيام الأعلام ، فانجابت دياجير الظلام ، وكان الجهلة قد دعوه صلّى اللّه عليه وسلّم كما قال المفسرون في أول سورة ص - إلى أن يكف عن آلهتهم ، وكان الإقرار عليها عبادة لها ، تسبب عن ذلك أمره صلّى اللّه عليه وسلّم بما يصدعهم به بقوله : قُلْ ولما كان مقام الغيرة يقتضي محو الأغيار ، وكان الغير إذا انمحى تبعه جميع أعراضه ، قدم الغير المفعول لأعبد المفعول - على تقدير « أن » - لتأمر فقال : أَ فَغَيْرَ اللَّهِ أي الملك الأعظم الذي لا يقر على فساد أصلا . ولما كان تقديم الإنكار على فعلهم لهم أرجع ، وتأخير ما سبق من الكلام لإنكاره أروع ، وكان مد الصوت أوكد في معنى الكلام وأفزع وأهول وأفظع ، قال صارفا الكلام إلى خطابهم ، لأنه أقعد في إرهابهم وأشد في اكتئابهم تَأْمُرُونِّي بالإدغام المقتضي للمد في قراءة أكثر القراء . ولعل الإدغام إشارة إلى أنهم حاولوه صلّى اللّه عليه وسلّم في أمر آلهتهم على سبيل المكر والخداع . ولما قرر الإنكار لإثبات الأغيار ، أتم تقرير ذكر العامل في ( غير ) فقال حاذفا « أن » المصدرية لتصير صلتها في حيز الإنكار : أَعْبُدُ وهو مرفوع لأن « أن » لما حذفت بطل عملها ، ولم يراع أيضا حكمها ليقال : إنه يمتنع نصب « غير » بها لأن معمول الصلة لا يتقدم على الموصول . ولما كانت عبادة غير اللّه أجهل الجهل ، وكان الجهل محط كل سفول ، قال :