ابراهيم بن عمر البقاعي
46
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
يندرج فيه إنزاله معبرا بالاسم الأعظم لاقتضاء الإيجاد والتدبير على وجه الانفراد له : اللَّهُ أي الحاوي لجميع صفات الكمال وحده : الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ كلها وَالْأَرْضَ بأسرها وَما بَيْنَهُما من المنافع العينية والمعنوية . ولما كانت هذه الدار مبنية على حكمة الأسباب كما أشير إليه في لقمان ، وكان الشيء إذا عمل بالتدريج كان أتقن ، قال : فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ كما يأتي تفصيله في فصلت ، وقد كان قادرا على فعل ذلك في أقل من لمح البصر ، ويأتي في فصلت سر كون المدة ستة . ولما كان تدبير هذا وحفظه وتعهد مصالحه والقيام بأمره أمرا - بعد أمر إيجاده - باهرا ، أشار إلى عظمته بأداة التراخي والتعبير بالافتعال فقال : ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ أي استواء لم يعهدوا مثله وهو أنه أخذ في تدبيره وتدبير ما حواه بنفسه ، لا شريك له ولا نائب عنه ولا وزير ، كما تعهدون من ملوك الدنيا إذا اتسعت ممالكهم ، وتباعدت أطرافها ، وتناءت أقطارها ، وهو معنى قوله تعالى استئنافا جوابا لمن كأنه قال : العرش بعيد عنا جدا فمن استنابه في أمرنا ، ولذلك لفت الكلام إلى الخطاب لأنه اقعد في التنبيه : ما لَكُمْ مِنْ دُونِهِ لأنه كل ما سواء من دونه وتحت قهره ، ودل على عموم النفي بقوله : مِنْ وَلِيٍّ أي يلي أموركم ويقوم بمصالحكم وينصركم إذا حل بكم شيء مما تنذرون به وَلا شَفِيعٍ يشفع عنده في تدبيركم أو في أحد منكم بغير إذنه ، وهو كناية عن قربه من كل شيء وإحاطته به ، وأن إحاطته بجميع خلقه على حد سواء لا مسافة بينه وبين شيء أصلا . ولما كانوا مقرين بأن الخلق خلقه والأمر أمره ، عارفين بأنه لا يلي وال من قبل ملك من الملوك إلا بحجة منه يقيمها على أهل البلدة التي أرسل إليها أو ناب فيها ، ولا يشفع شفيع فيهم إلا وله إليه وسيلة ، تسبب عن ذلك الإنكار عليهم في قوله : أَ فَلا تَتَذَكَّرُونَ أي تذكرا عظيما بما أشار إليه الإظهار ما تعلمونه من أنه الخالق وحده ، ومن أنه لا حجة لشيء مما أشركتموه بشيء مما أهلتموه له ولا وسيلة لشيء منهم إليه يؤهل بها في الشفاعة فيكم ولا أخبركم أحد منهم بشيء من ذلك ، فكيف تخالفون في هذه الأمور التي هي أهم المهم ، لأن عاقبتها خسارة الإنسان نفسه ، فضلا عما دونها عقولكم وما جرت به عوائدكم ، وتتعللون فيها بالمحال ، وتقنعون بقيل وقال ، وتخاطرون فيه بالأنفس والأولاد والأموال . ولما نفى أن يكون له شريك أو وزير في الخلق ، ذكر كيف يفعل في هذا الملك العظيم الذي أبدعه في ستة أيام من عالم الأرواح والأمر ، فقال مستأنفا مفسرا للمراد