ابراهيم بن عمر البقاعي
443
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
المسبب للنجاة قال : لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ * أي ليكون حالهم بعد التذكير الناشئ عن التذكير حال من يرجى له أن يجعل بينه وبين غضب اللّه وقاية . [ سورة الزمر ( 39 ) : الآيات 29 إلى 33 ] ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلاً رَجُلاً فِيهِ شُرَكاءُ مُتَشاكِسُونَ وَرَجُلاً سَلَماً لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيانِ مَثَلاً الْحَمْدُ لِلَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْلَمُونَ ( 29 ) إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ مَيِّتُونَ ( 30 ) ثُمَّ إِنَّكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ عِنْدَ رَبِّكُمْ تَخْتَصِمُونَ ( 31 ) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَذَبَ عَلَى اللَّهِ وَكَذَّبَ بِالصِّدْقِ إِذْ جاءَهُ أَ لَيْسَ فِي جَهَنَّمَ مَثْوىً لِلْكافِرِينَ ( 32 ) وَالَّذِي جاءَ بِالصِّدْقِ وَصَدَّقَ بِهِ أُولئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ ( 33 ) ولما أقام سبحانه الدليل المنير على التفاوت العظيم ، بين من هو قانت آناء الليل ساجدا وقائما يدعو اللّه مخلصا له الدين وبين من يدعو للّه أندادا ، وختم بضرب الأمثال ، وكان الأمثال أبين فيما يراد من الأحوال ، قال منبها على عظمتها بلفت القول عن مظهر العظمة إلى الاسم الأعظم الجامع لجميع صفات الكمال : ضَرَبَ اللَّهُ أي الملك الأعظم المتفرد بصفات الكمال مَثَلًا لهذين الرجلين مع أنه لا يشك ذو عقل أن المشرك لا يداني المخلص فضلا عن أن يقول : إن المشرك أعظم كما يقوله المشركون . ولما كان الذكر أقوى من الأنثى ، وأعرف بمواقع النفع والضر ، وكان كونه بالغا أعظم لقوته وأشد لشكيمته ، فيكون أنفى للعار عن نفسه وأدفع للظلم عن جانبه وأذب عن حماه ، قال مبينا للمثل مشيرا إلى تبكيت الكفار ورضاهم لأنفسهم بما لا يرضاه لنفسه أدنى الأرقاء رَجُلًا فِيهِ أي خاصة . ولما كانت معبوداتهم - لكونها من جملة المخلوقات - كثيرة الأشباه والنظائر ، عبر عنها بجمع الكثرة فقال : شُرَكاءُ في الظاهر من الأصنام وفي الباطن من الحظوظ والشهوات ، ووصف الشركاء بقوله : مُتَشاكِسُونَ أي مختلفون عسرون يتجاذبون مع سوء الأخلاق وضيقها وقباحة الشركة ، فليس أحد منهم يرضى بالإنصاف ، فهو لا يقدر أن يرضيهم أصلا و رَجُلًا سَلَماً أي من نزاع لِرَجُلٍ فليس فيه لغيره شركة ولا علاقة أصلا ، فهو أجدر بأن يقدر على رضاه مع راحته من تجاذب الشركاء - هذا على قراءة المكي والبصري ، وعلى قراءة الباقين بحذف الألف وفتح اللام هو وصف بالمصدر على المبالغة . ولما انكشف الحال فيها جدا قال : هَلْ يَسْتَوِيانِ أي الرجلان يكون أحدهما مساويا للآخر بوجه من الوجوه ولو بغاية الجهد والعناية . ولما كان الاستواء مبهما قال : مَثَلًا أي من جهة المثل ، أي هل يستوي مثلهما أي يجمعهما مثل واحد حتى أن يكونا هما متساويين فهو تمييز محول في الأصل عن الفاعل ، والجواب في هذا